لم تعد صورة المرأة الصحراوية محصورة في ذلك الإطار الفلكلوري المرتبط بحياة البادية، وقصائد “التبراع”، وإعداد الشاي تحت ظلال الخيام؛ فخلف ثنيات “الملحفة” الملونة، ظهرت في العقدين الأخيرين نخبة نسائية استطاعت أن تنفض غبار التهميش التقليدي، لتدخل معترك السياسة من أبوابه الواسعة، متحولة من “ربة خيمة” إلى “رأس حربة” في المحافل الدولية والمجالس المنتخبة.
لفهم هذا التحول، يرى باحثون في الأنثروبولوجيا أن المرأة الصحراوية لم تكن يوماً تابعة، بل كانت “مدبرة الفريݣ” (التجمع السكاني البدوي) في غياب الرجال,
وأضاف باحثون أن هذه القيادة الفطرية التي صقلتها حياة القسوة في الصحراء، كانت هي “الخزان” الذي استمدت منه المرأة المعاصرة قوتها، فمن إدارة شؤون القبيلة والأسرة في “الخيمة”، انتقلت هذه الطاقة إلى إدارة الشأن العام في المجالس البلدية والجهوية
التحول من المرأة “البدوية” إلى المرأة “السياسية” لم يكن مجرد صدفة، بل كان نتاجاً لثورة تعليمية وانفتاح سياسي شهدته الأقاليم الجنوبية للمملكة. اليوم، لم تعد الصحراوية تكتفي بالتمثيل الرمزي؛ بل أصبحت تتحدث لغة الأرقام، تدافع عن مخططات التنمية، وترافع عن قضايا السيادة الوطنية في أروقة الأمم المتحدة وجنيف.
لقد استبدلت المرأة الصحراوية “المغزل” بملفات الاستثمار، وأصبحت تدير ميزانيات ضخمة في مجالس جهوية (كالعيون والداخلة)، مبرهنة على حنكة سياسية وقدرة عالية على التفاوض، متجاوزة بذلك الصورة النمطية التي حاولت طويلاً حصرها في زاوية “الجمال التقليدي”.
في المشهد السياسي المغربي الحالي، تبرز أسماء نسائية صحراوية برتبة “مقاتلات دبلوماسيات”، هؤلاء النسوة اللواتي يرتدين “الملحفة” كرمز للهوية والاعتزاز، أصبحن يشكلن “القوة الناعمة” للمغرب في ملف الصحراء. حنكتهن في الخطابة، وقدرتهن على الإقناع، وسرعة بديهتهن المستمدة من ثقافة “البيضان”، جعلت منهن فاعلات لا يمكن تجاوزهن في بناء التحالفات الحزبية والانتخابية، يجمعن بين “كاريزما” البدوي الأنوف، وبين مرونة السياسي المعاصر، مما يخلق نموذجاً فريداً للمرأة القائدة التي توازن بين الأصالة والمعاصرة.
وفي هذا الصدد، ومن ابنة مدرسة عمومية في العيون إلى رئيسة لتجمع شباب البرلمان الإفريقي، تشق ليلى داهي طريقها كأحد أبرز الوجوه النسائية الشابة في المشهدين البرلماني والديبلوماسي بالمغرب، ففي أقل من عقد، تحولت من إعلامية شابة إلى صوت سياسي يدافع عن الوحدة الترابية للمملكة في منابر وطنية وقارية ودولية، حاملة معها صورة جيل جديد من بنات الصحراء اللواتي قررن الانتقال من موقع المتفرج إلى موقع الفاعل في صناعة القرار.
وُلدت ليلى داهي في العيون سنة 1993 تقريبًا، وتبلغ من العمر 28 سنة عند ترشحها للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2021، وهي نتاج مسار دراسي مهّد لها ولوج مجال الإعلام قبل أن تنخرط في العمل السياسي. اختارت الانتساب لحزب التجمع الوطني للأحرار، حيث وجدت في سياسة الانفتاح على الكفاءات الشابة فرصة لترجمة التزامها بقضايا جهتها، فانتقلت من النضال الميداني إلى تمثيل العيون-الساقية الحمراء تحت قبة البرلمان، مستندة إلى خطاب يمزج بين الواقعية الاجتماعية وطموح جيل جديد في الصحراء.
داخل مجلس النواب، تشتغل داهي ضمن فريق التجمع الوطني للأحرار، وتظهر في مداخلاتها كصوت نسائي يربط بين الملفات الاجتماعية والحقوقية وقضية الصحراء، مستثمرة رصيدها الإعلامي وقدرتها على مخاطبة الرأي العام لتقريب النقاش السياسي من انتظارات الشباب والنساء في الأقاليم الجنوبية. وتعتبر مشاركاتها في النقاشات المرتبطة ببرامج الحكومة و“مسار الإنجازات” امتدادًا لرؤية تعتبر أن التنمية الملموسة – من زيادات في الأجور إلى إجراءات اجتماعية – هي أفضل لغة لإقناع المواطن بدور المؤسسات.
بالتوازي مع حضورها الوطني، تبني ليلى داهي مسارًا قاريًا لافتًا؛ فقد انتُخبت سنة 2022 رئيسة لتجمع الشباب بالبرلمان الإفريقي في جوهانسبورغ، لتصبح واحدة من الوجوه المغربية التي تراهن عليها الديبلوماسية البرلمانية في ملفات مرتبطة بالشباب والتعليم والتنمية المستدامة. من هذا الموقع، تشتغل على قضايا تمكين شباب القارة وتسهيل ولوجهم لتعليم ذي جودة، وعلى ربط أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 بأولويات واقعية تلامس التشغيل والعدالة المجالية والهجرة.
في المحافل الدولية، وبالخصوص أمام اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، تقدم داهي نفسها “واحدة من العشرات من بنات الصحراء” اللواتي اخترن الانخراط في تدبير الشأن العام، وتستثمر تجربتها الشخصية للدفاع عن النموذج التنموي في الأقاليم الجنوبية وعن مقترح الحكم الذاتي كحل واقعي للنزاع المفتعل حول الصحراء. خطابها هناك يجمع بين لغة الأرقام والتحولات الميدانية وبين سردية جيل شاب عاش التحول من الهامش إلى الواجهة، لتقدم صورة مغرب يراهن على نسائه وشبابه في معارك التنمية والدبلوماسية في آن واحد.
رغم هذه الطفرة، لم يكن الطريق مفروشاً بالورود؛ فقد واجهت السياسات الصحراويات عوائق اجتماعية ونظرة ذكورية تحاول أحياناً كبح جماحهن. لكن الصمود الذي ورثنه عن جداتهن اللواتي واجهن رمال الصحراء وزوابعها، جعل منهن رقماً صعباً في المعادلة الانتخابية، لدرجة أن الفوز في الدوائر الانتخابية بالجنوب بات يمر حتماً عبر كسب ود وتأييد التكتلات النسائية.
هذا ويعد خروج المرأة الصحراوية من عباءة البادية إلى “بذلة” السياسة المحنكة هو عنوان لمرحلة جديدة من تاريخ الصحراء، هي رحلة بدأت من “الخيمة” كفضاء للتربية، وانتهت بـ”القبة” كفضاء للتشريع، لتبقى المرأة الصحراوية بملحفتها وعقلها السياسي المتوقد، الحارس الأمين لتقاليد الماضي وصانع الرهانات الكبرى للمستقبل.