مع إطلالة هلال شهر رمضان المبارك، تلبس فضاءات الصحراء الشاسعة حلةً من السكينة والوقار، حيث تمتزج روحانية العبادة بعبق الموروث الشعبي “الحساني” الأصيل، ففي هذه الربوع، من الأٌاليم الجنوبية للمملكة، يتحول الشهر الفضيل إلى “زمن اجتماعي” بامتياز، تُرتَّب فيه الأيام وفق ميزان دقيق يزاوج بين النسك والترفيه الشعبي الذي صمد لقرون.
رحلة الصبر.. تقسيم “العشرايات”
يستقبل المجتمع الصحراوي شهر رمضان بتقسيم مميز لأيامه الثلاثين، يطلقون عليها “العشرايات”. لكل عشرة أيام اسمٌ يحمل دلالة رمزية تعكس حال الصائم وقدرته على التحمل: تبدأ المرحلة الأولى بـ “عشراية التركة” (عشرة الأطفال)، وتُشبّه بـ “ركوب الخيل” لخفتها وسهولة صيامها في البداية، تليها “عشراية أفكاريش” (عشرة الإبل)، وتُسمى “ركاب لبل” لأنها تتطلب صبراً طويلاً وطاقة تحمل تشبه طاقة الإبل في سفرها الشاق، أما الختام فمع “عشراية لعزايز” (عشرة المسنات)، وتُلقب بـ “ركاب لحمير” كناية عن البطء الشديد في مرور الوقت وشعور الصائم بالتعب والترقب بلهفة ليوم العيد.
المائدة الصحراوية “لَحسا” و”الزريك”
لا يمكن لزائر الصحراء في رمضان أن يخطئ ملامح المائدة التقليدية، التي تتربع على عرشها مادة “الزريك”؛ وهو المشروب الملكي المكون من لبن الإبل أو الغنم الممزوج بالماء والسكر، ويُقدم في أقداح خشبية تقليدية تسمى “الكدحة”.
ويبدأ الصائمون إفطارهم بـ “لحسا لحمر” (الحساء الأحمر) المحضر من دقيق الشعير، إلى جانب التمر والزبدة الطبيعية. أما في وجبة السحور، فتسجل أكلة “البلغمان” حضوراً قوياً، وهي وجبة سريعة التحضير من دقيق الشعير المحمص تُعجن بالماء الساخن والسمن، مما يمنح الصائم طاقة صمود طويلة ضد العطش والجوع في هجير الصحراء.
“الجيمات” الثلاث.. دستور الشاي الصحراوي
بعد صلاة التراويح، تبدأ “المسامرة” الحقيقية حول “طبلة أتاي”، الشاي طقس مقدس يخضع لقانون “الجيمات الثلاث” التي لا غنى عنها: أولها “الجمر”، فلا بد من تحضيره على فحم طبيعي متقد، وثانيها “الجماعة”، إذ لا يُشرب الشاي وحيداً بل في مجلس يضم الأهل والجيران، وآخرها “الجر”، ويقصد به التأني الشديد في التحضير والتقديم لإطالة زمن السمر وتبادل أطراف الحديث.
“السيغ” و”ظامة”.. حين يتنفس الرجال والنساء
تعد ليالي رمضان في الصحراء الموسم الأبرز للألعاب التقليدية التي تذكي روح المنافسة، وبينما يجتمع الرجال حول لعبة “ظامة” التي تشبه الشطرنج في تعقيدها، أو لعبة “مرياس”، تسيطر النساء على فضاء السمر بلعبة “السيـك”، و”السيـك” هي لعبة ذهنية تعتمد على ثمانية أعواد خشبية توضع فوق كومة من الرمل، وتمتزج فيها استراتيجيات الفوز بضحكات النسوة والألغاز الشعبية “اتحاجي”، مما يجعل ليل الصحراء الطويل يمر سريعاً وسط أجواء من المودة.
روح التكافل ونفحات “لفريك”
رغم الانتقال من حياة الخيام إلى البيوت الإسمنتية الحديثة، لا يزال “نفس الخيمة” حاضراً في وجدان الساكنة. تنتشر في رمضان مبادرات التكافل الاجتماعي بشكل لافت، حيث تُقام موائد الإفطار الجماعية أمام البيوت وفي الساحات العامة.
وفي بعض المناطق العريقة كمدينة “أسا”، يُحيي السكان طقس “يا الله يا رحمان” في ليلة الثالث والعشرين من رمضان، حيث يخرج الفقهاء والطلبة في موكب مهيب لجمع الصدقات وتوزيعها على المحتاجين، في مشهد يجسد أسمى قيم التضامن الإنساني.
يبقى رمضان في الصحراء شاهداً حياً على قدرة الإنسان الصحراوي على الحفاظ على هويته الثقافية الفريدة. فبين “كدحة” اللبن وأهازيج المداحين النبوية، تستمر هذه الطقوس كجسر يربط الأجيال الجديدة بماضٍ عريق، مؤكدة أن الصيام في هذه الأرض هو عبادة، والسمر ثقافة، والكرم أسلوب حياة لا يتغير بتغير الأزمان.