عادت العاصمة الإسبانية مدريد لتكون مسرحاً لتحركات دبلوماسية مكثفة بشأن ملف الصحراء المغربية، في مشهد يعيد للأذهان ثقل التاريخ ويطرح أسئلة الحاضر.
وبينما يظهر المغرب في هذه المفاوضات بخطاب سياسي واضح وخارطة طريق مكتوبة، تصر الجزائر على التمسك بمقعد “المراقب”، في استراتيجية يصفها مراقبون بـ “الغموض المتعمد” الذي يهدف إلى التأثير في المسار دون تحمل تبعات المسؤولية المباشرة.
منذ انطلاق جولات الحوار الأخيرة في مدريد، برعاية دولية، دخلت الرباط المفاوضات مسلحة بوضوح ميداني وقانوني. هذا الوضوح ليس وليد الصدفة، بل هو استمرار للنهج الذي بدأ منذ اتفاقية مدريد لعام 1975، حين استند المغرب إلى حقوقه التاريخية والسيادة التي كرستها المسيرة الخضراء.
في المفاوضات الجارية، قدم المغرب “وثيقة تقنية” مفصلة (تتحدث التقارير عن كونها تتجاوز 40 صفحة) تشرح بدقة بنود مقترح الحكم الذاتي، هذا “الوضوح المغربي” يتجلى في تحديد صلاحيات الإقليم، وطبيعة العلاقة السيادية مع المركز، والضمانات الدولية المقترحة.
ويرى محللون أن المغرب، بتقديمه لهذه الخطة المتكاملة، يضع المجتمع الدولي أمام حل “واقعي وقابل للتطبيق”، ويخرج من دائرة الشعارات الفضفاضة إلى حيز التنفيذ السياسي.
على الجانب الآخر، يكتنف الموقف الجزائري نوع من الضبابية التي باتت سمة لدبلوماسيتها في هذا الملف، فبينما تؤكد الجزائر رسمياً أنها “ليست طرفاً في النزاع” وأن دورها لا يتعدى صفة “الجار المراقب”، تثبت الوقائع الدبلوماسية واللوجستية أن مفاتيح الحل والربط في مخيمات تندوف تمر عبر قصر المرادية.
هذا التناقض بين الخطاب الرسمي (المراقب) والواقع الميداني (الدعم الشامل والتحرك الدبلوماسي المكثف) هو ما يطلق عليه “غموض الجزائر”. ففي مفاوضات مدريد، يجد الوسطاء الدوليون صعوبة في دفع الجزائر للتوقيع على التزامات مباشرة، حيث تفضل البقاء في الظل، مما يطيل أمد الجمود السياسي. ويذهب البعض إلى أن هذا الغموض يخدم أجندة الجزائر في الحفاظ على “وضع الستاتيكو” (الجمود) لاستنزاف خصمها الإقليمي، بدلاً من البحث عن حل نهائي وشجاع.
يؤكد مهتمون بقضايا الصحراء، أن هذا التباين ليس جديداً؛ ففي عام 1975، وبينما كان المغرب يوقع اتفاقية مدريد مع إسبانيا وموريتانيا لإنهاء الاستعمار بشكل قانوني وواضح، كانت الجزائر تتحرك في الكواليس لعرقلة الاتفاق، ثم انتقلت فجأة من دعم تقرير المصير تحت الراية الإسبانية إلى رعاية جبهة “البوليساريو”.
اليوم، يتكرر المشهد في مدريد. المغرب يطرح “خياراً ثالثاً” هو الحكم الذاتي كحل وسط ونهائي، بينما تكتفي الجزائر بالاعتراض على المقترحات المغربية دون تقديم بديل واقعي يتماشى مع التغيرات الجيوسياسية الكبرى، مثل الاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء.
تضع مفاوضات مدريد الحالية الطرفين أمام مرآة المجتمع الدولي، حيث نجح المغرب في تحويل “قضية وطنية” إلى “عرض سياسي دولي” واضح المعالم، مما أكسبه ثقة القوى العظمى مثل الولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا، أما الجزائر فتواجه ضغوطاً متزايدة للتخلي عن دور “الظل” والجلوس كطرف رئيسي على طاولة المفاوضات، لأن استمرار الغموض لم يعد يقنع القوى الدولية التي تبحث عن استقرار نهائي في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.
بين “وضوح” المغرب الذي يبني شرعيته على الأرض والوثائق، و”غموض” الجزائر التي تدير النزاع من وراء الستار، تبقى مفاوضات مدريد اختباراً حقيقياً للإرادة السياسية، فهل سينتصر منطق الحلول الواضحة، أم سيظل الغموض سيد الموقف لسنوات أخرى؟ الإجابة تكمن في قدرة المجتمع الدولي على تسمية الأشياء بمسمياتها ودفع “الأطراف الحقيقية” لتحمل مسؤوليتها التاريخية.