فتحت الوزيرة السابقة ورئيسة جمعية “أوال حريات”، نزهة الصقلي، صفحات من سيرتها الحياتية والنضالية، لترسم صورة امرأة صنعتها الصعاب قبل أن تصنع مسارها.
وُلدت نزهة الصقلي في مدينة الجديدة، غير أن طفولتها الحقيقية عاشتها في الدار البيضاء، إذ كان والدها قاضياً يتنقل بين المدن — من تازة إلى دبدو فخنيفرة فالجديدة — حاملاً معه أسرة من سبعة أبناء وبنات.
لم تكن التسعة أعوام التي قضتها نزهة في كنف أبيها كافية، إذ رحل الوالد مبكراً عن دنياه وهو في الثانية والأربعين، تاركاً أماً في الثانية والثلاثين في مواجهة سبعة أطفال، أكبرهم في السادسة عشرة وأصغرهم لم يتجاوز العام والنصف. وكان ما يعينها على ذلك معاش بسيط لا يكاد يسد الرمق.
تتذكر الصقلي أن أول ما أقلقها حين فقدت أباها لم يكن الحزن وحده، بل الخوف من وصمة “اليتيمة” التي كانت تتحسب لها في المدرسة. بيد أن الوالدة — بحبها وتضامنها — حوّلت ذلك البيت الصغير إلى مدرسة للكرامة والصمود، فأنجبت سبعة متعلمين؛ بين طبيبة وصيدلانية وباحثة ذات مكانة علمية دولية.
وتحتفظ الصقلي من ذكريات أبيها بشيء واحد لكنه جوهري: احترامه اللامشروط لكل إنسان بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي، وهو ما سيظل بوصلتها طوال مسيرتها.
في الحادية عشرة من عمرها، أتاحت لها منحة دراسية السفر إلى فرنسا في إطار مخيم صيفي. هناك اكتشفت بعيني طفلة صغيرة مفارقة صارخة بين بلدين، فعقدت مع نفسها عهداً صامتاً: أن تناضل حتى آخر يوم في عمرها من أجل أن يبلغ المغرب مستوى التقدم الذي تحلم به له.
عادت لتدرس الصيدلة في فرنسا، وعادت بعدها لتنخرط في صفوف حزب التقدم والاشتراكية مناضلةً شابة تحدو حلمٌ واحد: مغرب متقدم، نظيف، كريم لمواطنيه جميعاً.
لم تكن قضايا المرأة في البداية تشكّل أولوية في تفكير الصقي السياسي، حتى جاءها المسؤول الحزبي الراحل عبد الله العياشي ذات يوم يطلب منها العمل مع النساء. رفضت في البداية: “أنا أريد أن أعمل مع الجميع، حلمي هو المغرب كله.”
لكنه لم يجادلها، بل سألها سؤالاً واحداً: “هل قرأتِ مدونة الأحوال الشخصية؟”
لم تكن قد فعلت. فذهبت وقرأت، وكانت الصدمة. تقول: “كنت أقرأ وأقول: لا يمكن هذا موجود! كيف أن الرجل يملك الطلاق بكلمة واحدة، وتخرج المرأة وأولادها إلى الشارع؟ كيف أن المرأة لا تستطيع الزواج إلا بوليّ، حتى لو كان وليّها ابنها؟ كيف يُمكنه من إدخال زوجة ثانية دون أن يكون لها حق طلب الطلاق؟”
عادت إلى العياشي وقالت: “فهمت الرسالة.”
انطلقت الصقلي مع رفيقاتها نحو نساء المدينة القديمة الفقيرات، لكن النساء هناك كنّ أكثر براغماتية مما توقعت: “إن كنتم تريدون فقط الحديث، فنحن لا نملك وقتاً. لكن إن كنتم ستقدمون لنا شيئاً نافعاً فسنأتي.”
كانت رسالة واضحة فأخذتها الصقي بجدية. بدأت توفير محامين للاستشارة القانونية، وأطباء لمتابعة صحة الأطفال، وتوزيع ألعاب على الأبناء في المناسبات. كانت الخدمة هي مفتاح الحوار، والحوار هو بداية الوعي.
تحرص الصقلي على تصحيح صورة نمطية تلاحقها: “أنا لم أناضل يوماً ضد الرجال. النضال من أجل المرأة هو نضال من أجل أطفالها ومسنّيها وكل أفراد أسرتها.” وتؤمن إيماناً راسخاً بأن تحرر المرأة من الظلم والتمييز سيعود بالنفع على الرجل أيضاً، لأن المجتمع كلٌّ لا يتجزأ.
وحين جاءت انتخابات 1976 البلدية — أولى الانتخابات بعد سنوات الاستثناء التي أعقبت محاولات الانقلاب — لم تتردد في الترشح، مؤمنةً بأن وصول المرأة إلى مراكز القرار ليس مطلباً نسائياً، بل ركيزة أساسية في أي مشروع تنموي حقيقي.