هل يمتلك القضاء سنداً قانونياً لحجب قنوات “المؤثرين”؟
أثار صدور أحكام قضائية تقضي بإغلاق قنوات وحجب منصات ومنع بعض “مؤثري” شبكات التواصل الاجتماعي من الولوج إليها، نقاشاً حقوقياً وقانونياً واسعاً في المغرب. وبينما يرى البعض أن هذه الإجراءات تفتقر إلى نص صريح، يأتي المحامي محمد ألمو ليقدم قراءة قانونية تضع هذه الأحكام في إطار نص تشريعي “كلاسيكي” قديم، مؤكداً وجود سند قانوني يستند إلى تفسير مرن للنصوص الموجودة.
يؤكد الأستاذ محمد ألمو أن التوسع في تطبيق “قانون الصحافة والنشر” على المحتويات الرقمية التي يقدمها “المؤثرون” يعد خياراً غير دقيق قانونياً. فمقتضيات قانون الصحافة صُممت لتنظيم المقاولات الصحفية والمنابر الإعلامية المهنية، ولا يمكن سحبها على أنشطة فردية تفتقر لصفة العمل الصحفي. كما يذكّر ألمو بالمبدأ الجنائي الراسخ الذي يمنع التوسع في تفسير النص الجنائي إلا لصالح المتهم، وهو ما يغلق الباب أمام القياس في قانون الصحافة لإغلاق قنوات رقمية.
في خضم هذا الفراغ التشريعي، يطرح الأستاذ ألمو “الفصل 87” من القانون الجنائي كحل قانوني يمنح المحكمة صلاحيات واسعة للتدخل. يشير المحامي إلى أن المشرع استعمل في هذا الفصل مصطلحات مرنة: “مهنة، نشاط، أو فن”.
ووفقاً لألمو، يمكن تصنيف “صناعة المحتوى الرقمي” ضمن خانة “النشاط”. وبالتالي، إذا تبين للمحكمة أن الجريمة المرتكبة (سواء كانت جناية أو جنحة) مرتبطة بمزاولة هذا النشاط، وثبت وجود قرائن قوية على أن استمرار الشخص في نشاطه سيشكل خطراً على “الأخلاق” أو “الصحة” (بما فيها الصحة النفسية للمتلقين)، فإن للمحكمة كامل الصلاحية للحكم بالمنع من مزاولة هذا النشاط لمدة قد تصل إلى 10 سنوات.
يرى الأستاذ ألمو أن “إغلاق القناة” و”المنع من الولوج” ليس إجراءً تعسفياً، بل هو الأداة الإجرائية اللازمة لتنفيذ عقوبة “المنع من مزاولة النشاط”. فبما أن القناة الرقمية هي الوسيلة والوعاء الذي يُمارس من خلاله هذا النشاط “المجرم” أو “المضر”، فإن حجبها يصبح ضرورة قانونية لضمان فعالية الحكم القضائي.
ومع ذلك، يظل النقاش مفتوحاً حول طبيعة المنع؛ فهل يشمل المنع من الولوج الكلي لوسائل التواصل الاجتماعي؟ أم يقتصر فقط على المنع من ممارسة “النشاط” الذي تسبب في الإدانة؟ يشير ألمو إلى أن المبدأ هنا هو منع ممارسة النشاط المعني، تاركاً الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان بإمكان المعني بالأمر العودة عبر محتوى جديد “نقي” أو مختلف، وهو ما يظل تفصيلاً إجرائياً خاضعاً لتقدير المحكمة ومقتضيات تنفيذ العقوبة.
يخلص الأستاذ محمد ألمو إلى أن الأحكام القضائية الأخيرة، وإن بدت للبعض مفتقرة لأساس مباشر في ظل غياب قانون خاص بالمحتوى الرقمي، فإنها تجد سندها القانوني في “الاجتهاد القضائي” الذي يكيّف النصوص العامة (الفصل 87) مع المتغيرات التكنولوجية الحديثة، لحماية النظام العام والصحة النفسية والأخلاق المجتمعية، في انتظار صدور تشريع خاص يواكب الطفرة الرقمية.

