تشهد العلاقات الجزائرية-الأوروبية منعطفاً استراتيجياً حاسماً، حيث تبرز الجزائر كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الطاقوي لجنوب أوروبا.
المقال الأخير الذي نشره موقع “ذا أوبجكتيف” الإسباني، بالتزامن مع زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني للجزائر، يكشف عن ملامح استراتيجية جزائرية جديدة تقوم على مقايضة “الاستقرار الطاقوي” بـ”المواقف السياسية”، وهو ما يمكن تسميته بـ “براغماتية الغاز”.
تمثل الزيادة المرتقبة في ضخ الغاز نحو إسبانيا (12.5%) تحولاً جذرياً في فلسفة التعامل الجزائري مع مدريد. فبعد سنتين من الجمود والتوتر الذي أعقب تغيير مدريد لموقفها من قضية الصحراء في مارس 2022، تبدو الجزائر اليوم مستعدة لطي الصفحة، ولكن بشروط جديدة:
المكافأة السياسية: الربط بين زيادة الإمدادات وموقف مدريد من الصراع في الشرق الأوسط (خاصة التطورات المتعلقة بإيران وغزة) يشير إلى أن الجزائر باتت تستخدم الغاز كأداة “قوة ناعمة” لتشجيع التوجهات الأوروبية التي تتقاطع مع مصالحها أو رؤيتها الجيوسياسية.
تسعى إسبانيا، التي عانت من تقلبات الأسعار عالمياً، إلى العودة لحضن “الغاز المسال عبر الأنابيب” كونه الأقل تكلفة والأكثر استقراراً، وهو ما يمنح الجزائر ورقة ضغط اقتصادية قوية تضمن بها تحييد أي مواقف إسبانية مستقبلية قد تضر بمصالحها الحيوية.
على النقيض من العلاقة “المضطربة” مع إسبانيا، تكرس زيارة جورجيا ميلوني مكانة إيطاليا كـ “شريك استراتيجي مدلل”. التحليل هنا يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد بيع وشراء الغاز:
توطين التكنولوجيا والزراعة: الشراكة مع مجموعة “بي إف” الإيطالية لزراعة آلاف الهكتارات في الصحراء الجزائرية تعني أن الجزائر تهدف لتنويع اقتصادها وتحقيق أمنها الغذائي عبر الشريك الإيطالي، مقابل تأمين رئة الطاقة لإيطاليا.
إيطاليا كمركز طاقوي أوروبي (Hub): الجزائر تدعم طموح روما لتكون الموزع الرئيسي للغاز الإفريقي نحو أوروبا، وهو تحالف “رابح-رابح” يقلص نفوذ الوسطاء الآخرين ويعزز المحور (الجزائر-روما).
لا يمكن فصل “كرم” الطاقة عن ملفات الأمن الشائكة. زيارة وزير الخارجية الإسباني ألباريس تحمل في حقيبتها ملف الهجرة، خاصة بعد الضغط المتزايد على جزر البليار. وهنا تظهر المقايضة غير المعلنة: تسهيلات في الطاقة مقابل تشديد القبضة الأمنية على السواحل. الجزائر تدرك أن أوروبا، في ظل أزماتها المتعددة، مستعدة لتقديم تنازلات سياسية واقتصادية مقابل ضمان تدفق الغاز ومنع تدفق المهاجرين.