يخلد المغرب في الثلاثين من مارس من كل سنة «اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة»، الذي يشكل مناسبة للتعريف بقضية الإعاقة والتحسيس بحقوق هذه الفئة، وهذا العام يحل هذا اليوم واليوم هو نفسه ثلاثون مارس ألفين وستة وعشرين، في سياق تشريعي وتنموي يتسارع، وإن ظل السؤال الجوهري قائماً: هل يصل كل ذلك إلى الأشخاص في وضعية إعاقة حيث يوجدون، في أقصى البقاع وأبعد الأقاليم؟
المغرب ومسار الإصلاح: رهانات على الورق وامتحان على الأرض
يُجمع فاعلون في مجال الإعاقة على أن المغرب عمد خلال السنوات الأخيرة إلى ترسيخ مفهوم الدولة الاجتماعية، من خلال خلق أوراش إصلاحية واجتماعية كبرى، وسن ترسانة قانونية من شأنها دعم الطبقات الهشة والنهوض بها.
وفي قلب هذا الورش، برز منجزان بارزان في السنة المنصرمة: أولهما اعتماد المخطط الوطني الثاني للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة 2025–2027، والذي يضم 500 إجراء يهم تعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم تمدرس الأطفال، وتحسين الولوجيات، والرفع من فرص الإدماج المهني. وثانيهما إطلاق منصة «إدماج» الرقمية لتسجيل الطلبات وتتبعها إلكترونياً في إطار تحسين جودة الخدمات وتقريبها من المواطن.
كما شكّل إطلاق بطاقة الشخص في وضعية إعاقة محطة تاريخية، إذ جاءت بعد انتظار لعقود طويلة من قبل الأشخاص في وضعية إعاقة، منذ أن نصّت القوانين عليها دون تفعيل. ومن المكتسبات الملموسة كذلك، المصادقة على تخفيض بنسبة 50% لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة على جميع خدمات النقل السككي، بما فيها قطارات البراق وأطلاس، وذلك بشراكة بين الوزارة والمكتب الوطني للسكك الحديدية.
غير أن هذه المكتسبات تبقى مشروطة في قيمتها الحقيقية بمدى إمكانية الوصول إليها. فالأشخاص في وضعية إعاقة بالأقاليم الجنوبية النائية لن يستفيدوا من تخفيض السكة الحديدية ما لم تكن ثمة سكة أصلاً، ولن يستفيدوا من منصة رقمية ما لم تكن ثمة بنية تحتية رقمية كافية.
الأقاليم الجنوبية: نسب مرتفعة وخصوصية جغرافية
تُقدّر الإحصائيات الرسمية عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في المغرب بحوالي 1.5 مليون شخص، أي ما يعادل 5.12% من إجمالي عدد السكان، فيما أظهرت نتائج البحث الوطني الثاني أن هذه النسبة وصلت إلى 6.8% سنة 2014.
أما على مستوى الأقاليم الجنوبية تحديداً، فإن الصورة أشد وطأة. إذ تُسجّل هذه الجهات نسبا تفوق المعدل الوطني، مما يجعلها في مواجهة مزدوجة: حاجة أكبر إلى الخدمات، وبنى استقبالية لا تتناسب مع هذه الحاجة.
وفي سياق التحرك الميداني، أشارت معطيات رسمية إلى أن جهة الداخلة-وادي الذهب انخرطت في برنامج التمكين الاقتصادي بدعم مشترك من وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، ومجلس الجهة، والتعاون الوطني، ووكالة التنمية الاجتماعية. وأفاد مسؤولون بأن ما يقارب 4 آلاف امرأة في الجهة يستفدن من هذه المبادرة، مع تأكيد رئيس مجلس الجهة أن البرنامج نُفِّذ وفق مقاربة تعتمد على تأطير القرب والدعم الإداري والتقني وتثمين الموارد المحلية.
كما يواصل التعاون الوطني حضوره في المنطقة، إذ خُلِّدت الذكرى السادسة والستون لتأسيسه في جهة الداخلة-وادي الذهب، في إطار يعكس الاستمرارية المؤسسية لخدمات القرب الموجهة لهذه الفئة.
الدعم الاجتماعي المباشر: خطوات مُقيَّدة بشُحّ الموارد
على مستوى الدعم الاجتماعي المباشر، تحدد وزارة التضامن قيمة الدعم الاجتماعي للأطفال في وضعية إعاقة في 500 درهم للأطفال اليتامى من جهة الأب، مع دعم الجمعيات المتخصصة بمعدل 1200 درهم شهرياً لكل طفل.
وهي مبالغ يُقرّ كثير من الفاعلين بأنها منقوصة أمام حجم التحديات اليومية. وقد طالبت اللجنة الوطنية للموظفين ذوي الإعاقة بالاتحاد المغربي للشغل بضرورة تفعيل نسبة الحصيص البالغة 7% من المناصب المالية السنوية لفائدة الأشخاص ذوي الإعاقة في القطاع العام، فضلاً عن ضمان حقهم في الترقية والتكوين المستمر.
الولوجيات والتربية الدامجة: مسار طويل
يُجمع فاعلون على أن الولوجيات لا تزال من أبرز التحديات اليومية التي تواجه الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء في التنقل أو في الولوج إلى الإدارات والخدمات العامة ووسائل النقل، مع التأكيد على ضرورة تفعيل صارم للقوانين المؤطرة، وعلى رأسها القانون 03-10 الخاص بإلزامية احترام معايير الولوجيات في البنيات الجديدة.
في المجال التعليمي، دخل القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي حيز التنفيذ، وينص على ضمان الحق في ولوج التربية والتعليم لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة أو في وضعيات خاصة، باعتماد التربية الدامجة. وهو مسار يكتسب أهمية مضاعفة في الأقاليم الجنوبية، حيث تبقى أعداد الأطفال المنقطعين عن التمدرس بسبب الإعاقة أعلى من المعدل الوطني.
مطالب جمعوية لا تزال في الانتظار
يُعد اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة مناسبة سنوية للوقوف على واقعهم وتحديات النهوض بحقوقهم، في ظل إقرار واسع بأن الكثير لا يزال يتعين بذله لتسهيل وتحسين ظروف الحياة اليومية لهذه الفئة.
وتشمل المطالب التي يرفعها الفاعلون الجمعويون بالأقاليم الجنوبية: تقريب مراكز التشخيص والتأهيل، ورفع الطاقة الاستيعابية لبنيات التعاون الوطني، وإدراج بُعد الإعاقة بشكل منهجي في مشاريع التنمية الترابية الكبرى التي تعرفها الجهات الثلاث.
اليوم الوطني استحقاق لا احتفال
يشكل هذا اليوم الوطني فرصة لتحسيس الرأي العام بالتحديات اليومية التي تعترض هذه الفئة الاجتماعية، ومعاناتها من عجز يحد من مشاركتها الكاملة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
الأقاليم الجنوبية، التي تشهد زخماً تنموياً غير مسبوق، أمامها فرصة تاريخية لأن تجعل من هذا الزخم رافعة فعلية لإدماج الأشخاص في وضعية إعاقة، لا مجرد هامش في وثائق المشاريع الكبرى. فالحكم الحقيقي على جدية أي مسار تنموي هو في كيف يعامل أكثر أفراده هشاشة، وفي كيف يصله ما يُقرَّر في عواصمه القانونية والمؤسسية.