أعلنت كابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، زكية الدريوش، عن تحول استراتيجي في إدارة سوق المنتجات البحرية بالمغرب، يهدف إلى نقل مبادرة تزويد الأسواق بالأسماك بأثمنة معقولة من طابعها الموسمي المرتبط بشهر رمضان لتصبح استراتيجية دائمة على مدار السنة. ويأتي هذا التوجه مدفوعاً بالنجاح الاستثنائي الذي حققته المبادرة في عام 2026، حيث سجلت مبيعات قياسية تجاوزت 6300 طن، متخطية التوقعات الرسمية التي كانت تطمح لبلوغ 5000 طن فقط، مما يعكس انخراطاً واسعاً للمستهلك المغربي في هذا المسار الذي شمل 1100 نقطة بيع موزعة على 50 مدينة في مختلف جهات المملكة.
هذا التطور النوعي لم يكن ليتحقق لولا التحول الجذري في ثقة المواطن المغربي تجاه الأسماك المجمدة؛ فمنذ انطلاق المبادرة في 2019 بكميات لم تتجاوز 400 طن، واجهت المصالح الوزارية تحدي “الصورة النمطية” والتشكيك في جودة المنتوج المجمد. إلا أن تضافر جهود السلطات المحلية والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA) لضمان أعلى معايير الجودة، أسهم في بناء جسور الثقة مع المستهلك، الذي بات يرى في هذه المنتجات حلاً عملياً يزاوج بين السلامة الصحية والقدرة الشرائية، خاصة في الفترات التي تشهد طلباً مرتفعاً.
وفي سياق تفسيرها للدوافع البيولوجية خلف هذه الخطوة، أوضحت الدريوش أن التدخل الحكومي أصبح ضرورة حتمية لمواجهة النقص الطبيعي في الأسماك السطحية، وخاصة “السردين”، خلال شهور يناير وفبراير ومارس التي تتزامن مع فترات الراحة البيولوجية. فبدلاً من ترك المستهلك عرضة لتقلبات السوق وندرة العرض، قدمت المبادرة حلاً استباقياً يضمن استمرارية التزويد بمنتجات متنوعة وبأثمنة محددة، وهو النموذج الذي تسعى الوزارة اليوم لتعميمه على مدار 12 شهراً لضمان استقرار دائم في منظومة الاستهلاك.
وبناءً على هذه المكتسبات، ترسم الوزارة اليوم خارطة طريق نحو “الاستدامة” لا تكتفي بضخ الكميات، بل تركز على هيكلة السلسلة بأكملها؛ حيث كشفت الدريوش عن خطط لدعم القطاع الخاص وجذب المستثمرين في مجالات التبريد والنقل والتوزيع. وتتضمن الرؤية القادمة إطلاق مشاريع نموذجية تعتمد على تقنيات تحويل حديثة، مثل التعليب الفردي بأوزان صغيرة تناسب حاجة الأسر، مما يسهل عملية التسويق في المساحات التجارية الكبرى والمتوسطة ويحفز الاستثمار في “سلسلة التبريد” التي تعد العمود الفقري لهذا المشروع.
وفي ختام رؤيتها، ربطت المسؤولة الحكومية بين استدامة هذه المبادرة وخلق فرص الشغل وتأهيل العنصر البشري، مؤكدة أن تحويل المبادرة إلى قطاع مهيكل سيتيح آفاقاً جديدة للشباب. ومن أجل مواكبة هذا التحول، تعتزم الوزارة تفعيل برامج تكوينية متخصصة في مدارسها لتأهيل جيل جديد من التقنيين القادرين على تدبير جودة المنتجات البحرية وحفظها، بما يضمن تحويل التحديات الموسمية إلى فرص اقتصادية مستدامة تعزز الأمن الغذائي للمملكة وتدعم الاقتصاد الاجتماعي.