في قراءة تقييمية لأداء السياسات العمومية خلال الولاية الحكومية الحالية، قدّم مرصد العمل الحكومي تشخيصاً مفصلاً لما اعتبره مكامن تعثر أثّرت على الأثر الاجتماعي والسياسي للحصيلة، مسلطاً الضوء على فجوات واضحة بين سقف الالتزامات المعلنة وحجم النتائج المحققة على أرض الواقع، في مجالات حيوية تتصل مباشرة بانتظارات المواطنين.

ويرى التقرير أن ملف التشغيل يظل من أبرز نقاط الضغط، حيث لم تُترجم الوعود المرتبطة بإحداث مناصب الشغل بالوتيرة المطلوبة، في ظل استمرار ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في الوسط القروي والقطاع الفلاحي.

وعلى الرغم من إطلاق برامج دعم مثل “أوراش” و“فرصة”، فإن أثرها، بحسب التقرير، ظل محدوداً مقارنة بحجم الطلب المتزايد على الشغل، ما يعكس اختلالاً أعمق في ملاءمة النموذج الاقتصادي الحالي مع حاجيات الإدماج المهني.

وفي الشق المرتبط بالقدرة الشرائية، سجل المرصد أن التدابير الحكومية، رغم أهميتها، لم تنجح في امتصاص الأثر الكامل لارتفاع الأسعار، خاصة بالنسبة للطبقة المتوسطة والفئات غير المستفيدة من الدعم المباشر، التي وجدت نفسها تحت ضغط مزدوج بين الغلاء وثبات الدخل. ويُرجع التقرير ذلك إلى حدود نجاعة آليات ضبط الأسواق، وضعف سرعة التدخل في مواجهة المضاربات والاختلالات القطاعية.

كما أشار التقرير إلى بطء الأثر الملموس لإصلاحات الصحة والتعليم، معتبراً أن المواطن يقيس نجاح هذه الأوراش بمدى تحسن جودة الخدمات اليومية، وليس فقط بحجم الاستثمارات أو النصوص المؤطرة، وهو ما ظل متفاوتاً بين الجهات والفئات الاجتماعية.

وفي محور الحكامة، لفت المرصد إلى أن استمرار بعض مظاهر الريع وتضارب المصالح يظل من أبرز التحديات التي تؤثر على ثقة المواطن، بالنظر إلى ارتباطها بعدالة السوق وتكافؤ الفرص. كما استحضر الجدل الذي رافق بعض الصفقات العمومية، وما أثارته من نقاش حول حدود الشفافية في تدبير المال العام.

أما على مستوى العدالة المجالية، فقد أكد التقرير استمرار التفاوت في توزيع الثروة وفرص التنمية بين الجهات، مع تمركز واضح للأنشطة الاقتصادية في مناطق محدودة، ما يطرح تحديات بنيوية أمام تحقيق تنمية متوازنة.

وفي ما يتعلق بالأوراش الاستراتيجية، أشار المرصد إلى بطء وتيرة تنفيذ مشاريع الماء والطاقة، رغم أهميتها في تعزيز الأمن الاستراتيجي، معتبراً أن الفجوة الزمنية بين إطلاق المشاريع وظهور أثرها الفعلي تظل أحد أبرز التحديات المطروحة. كما سجل أن قطاع السكن، رغم الإصلاحات المعتمدة، ما زال يواجه خصاصاً يفوق وتيرة الإنجاز، في ظل ارتفاع كلفة العقار ومواد البناء.

وفي مقاربة نقدية، اعتبر التقرير أن السياسات الموجهة للشباب لم ترتق بعد إلى مستوى سياسة عمومية مندمجة، حيث ظلت المبادرات ذات طابع جزئي أو تواصلي، دون تحقيق تحول عميق في إدماج هذه الفئة ضمن دينامية التنمية.

ورغم هذا التشخيص، لا يغفل التقرير الإقرار بوجود جهود وإصلاحات هيكلية في عدد من المجالات، غير أنه يؤكد أن التحدي الأساسي يكمن في تسريع وتيرة الأثر الملموس لهذه السياسات، وتعزيز انسجامها ونجاعتها، بما يضمن تقليص الفجوة بين الطموح والواقع، ويعيد بناء الثقة في السياسات العمومية.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store