تربع على عرش الفن الطربي الأصيل بالعالم العربي، تغنى بكلمات أكبر الشعراء العرب من بني جيله، ومشى بين دروب نغمات عوده “منتصب القامة مرفوع الهامة”.
مارسيل خليفة، فنان عربي لبناني الأصل، مختلف تماما عن باقي الفنانين العرب، رسخ بفنه المحافظ وكلماته الوطنية حب الفن ولحن العود لدى الجمهور العربي.
تميز الفنان القصير القامة المنتصب الهامة، بخط فني جميل ومتفرد وحمل مشعل سفير العالم العربي فنيا. عاش طفولته في إحدى القرى الصغيرة بلبنان في جو ممزوج بالموسيقى والتراتيل التي استقاها من الكنيسة والمؤذن في الحي المقابل لبيته، وألهمه صوت جده الصياد العازف للناي وأصوات الفلاحين والبحارة بقريته.
ولد مارسيل عام 1950، في بلدة عمشيت في جبل لبنان، والدته ماتيلدا هي من اكتشف موهبته وصنع منه فنانا مختلفا، لكنها توفيت قبل أن ترافق ابنها في رحلة نجاحاته.
تغنى مارسيل والدته التي رحلت شابة في عمر 39 بسبب مرض مزمن، وتركت في ذاكرته صورة الأم المثالية، بأجمل الكلمات والأشعار، لأنها الشخص الذي صنع منه فنان العرب، وما زال يتذكر كيف دافعت عنه والدته أمام والده ليشتري له آلة موسيقية ليطور موهبته الموسيقية منذ نعومة أظافره.
في مقابلة صحافية قال مارسيل، لولا أمي ما كنت اليوم أجري هذا اللقاء، لأنها هي من اكتشفتني ودفعت والدي ليشتري لي آلة موسيقية لأن آلاتي كانت محصورة في الطناجر والصحون والعلب الفارغة “أطربق عليها كل يوم”.
وعندما رأت أصابعي، يتابع مارسيل، “أحست أني أملك شيئا مختلفا، وأقنعت والدي الذي اشترى لي أرخص آلة عود، لكنني لم أختر العزف على العود كان ذلك بالصدفة، إلا أن القدر شاء أن ترحل أمي قبل أن تستمع لأي موسيقى كتبتها”.
لم تمنعه الموسيقى من خوض غمار السياسة، إذ انضم مارسيل خليفة في ريعان شبابه إلى حزب شيوعي، رغم أنه لم يلتزم بمبادئه بشكل كبير إلا أنه حاول إثبات ذاته بشخصيته المعارضة.

حمل هم القضية الفلسطينية وهو متشبع بالفكر اليساري، كانت رغبته الملحة في الحياة أن يغير أوضاع بلده إلى الأفضل، ولكن محيطه رفض الأفكار التي تشبع بها، فقرر مارسيل أن يتحرر من طابور السياسة ويركز على الموسيقى، فحمل دواوين محمود درويش التي قال إنها أنقذته، وحمل عوده ورحل عن قريته بعدما توفي والده وأوصدت الأبواب في وجهه.
عاد مارسيل خليفة إلى قريته الصغيرة في جبل لبنان بعد 19 سنة، بعدما دخل أول مرة أكبر مهرجانات العالم العربي بقرطاج في تونس، هناك حيث أخذ وسام الاستحقاق الثقافي.
تغنى بكلماته كل الحاضرين بروح حماسية عالية وموسيقى متنوعة، ممزوجة بنعومة صوت المطربة أميمة الخليل، التي أضفت نغمة مثالية إلى نغمات عود مارسيل في الحفل.
عاش مارسيل خليفة يعزف ويغني لعله يصل إلى فلسطين، أحب الشاعر الفلسطيني محمود درويش، ولحن كلمات أشعاره دون أن يلتقيه، إلى أن قابله صدفة في بيت أصدقاء مشتركين في بيروت، هناك حيث قال محمود درويش لمارسيل، “ألا تعرف أن للقصائد التي تلحنها شاعر؟ فأجابه مارسيل بلى، فرد درويش مازحا، ولم تسألني، فكان رد مارسيل حينها: “ظننت أنها أشعار في ملكية عامة، فضحكا وكان اللقاء محطة بداية صداقة طوال العمر حيث التقيا بعدها في باريس لعشر سنوات، يروي مارسيل.

عند وفاة محمود درويش كان مارسيل في عمان ومن هناك شيعوا جثمان الشاعر الفلسطيني الذي بصم اسمه في ذاكرة تاريخ الأدباء العرب المتميزين، وألقى في جنازته كلمات من قصيدة “يا طير الحمام”.

الفنان اللبناني مارسيل خليفة، أجرى قبل يومين عملية جراحية في القلب، في إحدى المستشفيات بمدينة سيدني الأسترالية، بعد معاناته من انسداد في بعض شرايين القلب، الأمر الذي دفع الأطباء إلى إجراء عملية جراحية له تكللت بالنجاح.
