في محاضرة ألقاها بمناسبة الذكرى الأولى لوفاة الوزير الراحل أحمد شوقي بنيوب، قدم الدكتور عبد الإله بلقزيز، أستاذ الفلسفة في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، تحليلاً عميقاً لتطور مفهوم حقوق الإنسان عبر التاريخ.
في بداية محاضرته، أوضح بلقزيز أن “فكرة حقوق الإنسان نشأت في رحم الفلسفة قبل أن تنتقل إلى مجالات معرفية أخرى في القرن التاسع عشر، مثل الفكر السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجيا السياسية والفقه الدستوري.”
واستعرض بلقزيز الدور المحوري لفلاسفة العقد الاجتماعي، مشيراً إلى إسهامات كل من توماس هوبز وجون لوك وسبينوزا ومونتسكيو وجان جاك روسو وإيمانويل كانط. “انطلق هؤلاء من مسلّمة أساسية تقول إن الطبيعة منحت الناس حقوقاً بشكل تلقائي وعفوي.”
وشرح بلقزيز كيف رأى هؤلاء الفلاسفة أن “حالة الطبيعة” كانت تتسم بالفوضى والصراع: “كان المجتمع الطبيعي مزدحماً بكل أنواع الصراعات الدموية،
كما وصفه توماس هوبز بأنه ‘حرب الجميع على الجميع’.” وهنا برزت الحاجة إلى الدولة كإطار تنظيمي يحمي الحقوق الطبيعية ويحولها إلى حقوق مدنية.
وأكد المحاضر أن نقطة التحول الكبرى جاءت مع الثورة الفرنسية عام 1789، حين ظهر لأول مرة مصطلح “حقوق الإنسان والمواطن”.
لكنه يلفت الانتباه إلى أن “الإنسان في خطاب الثورة الفرنسية، كما في الخطاب الأمريكي والثورة الإنجليزية الثانية، كان يعني بالتحديد المواطن، وليس الإنسان العابر للأوطان.”
وفي تحليله للتطورات المعاصرة، كشف بلقزيز كيف تحولت قضية حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية إلى ورقة سياسية في الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. “تم تسليط الضوء على ما عُرف حينها بمحنة حقوق الإنسان في المجتمعات الاشتراكية، واستمر هذا النهج حتى بعد انهيار المعسكر الاشتراكي.”
وختم بلقزيز محاضرته بملاحظة أن هذا التوظيف السياسي لحقوق الإنسان لم يتوقف مع نهاية الحرب الباردة، بل استمر في مواجهة ما أسماه الخطاب الأمريكي والنيوليبرالي بـ”الدول المارقة”، مؤكداً أن فهم هذا التطور التاريخي ضروري لفهم الجدل المعاصر حول حقوق الإنسان.

