في مداخلة له خلال ندوة حول مشروع قانون المسطرة المدنية بعنوان “رهانات الحقوق وحصانة الدفاع”، انتقد عزيز رويبح، نقيب المحامين بهيئة الرباط، ما وصفه بالتعديلات المرتجلة التي أدخلت على مشروع القانون، مؤكدًا أن المشروع يحتاج إلى ملاءمة شاملة لمتطلبات العدالة وحقوق الدفاع.
وأشار إلى أن إدخال بعض التعديلات جاء بناء على “قلم مرتبك”، على حد تعبيره، أدى إلى تعقيد بعض الفصول وإثارة جدل واسع حولها.
بدأ رويبح حديثه بالتأكيد على أن المشروع الحالي يحتوي على بعض المكتسبات الإيجابية، لكنه في الوقت نفسه يواجه ارتباكًا نتيجة تدخلات لا تراعي مصلحة نظام العدالة ككل.
ووصف هذه التدخلات بأنها “سم قاتل” يعوق تنفيذ المشروع بروح الإصلاح المنتظر، مضيفًا أن القضاء الدستوري يحتاج إلى البحث عن الثغرات في النصوص لإزالتها بما يحقق العدالة ويعزز مكانة القضاء في المغرب.
ثم تناول رويبح السياق الذي جاءت فيه هذه التعديلات، موضحًا أن هذا السياق العام تشكّل بعد دستور 2011، الذي خلق طموحات كبيرة في بناء دولة الحق والقانون. وأشار إلى أن المشروع كان ينبغي أن يدعم الاستقلال الحقيقي للسلطة القضائية بعيدًا عن تأثير السلطة التنفيذية.
وذكر رويبح أنه خلال فترة توليه وزارة العدل، عُملت مسودة شاملة للمشروع بعد حوار مع جميع الفاعلين في قطاع العدالة، بما في ذلك المحامون، لكنها لم تُعرض على البرلمان بسبب انتهاء الولاية التشريعية.
وأكد رويبح أن المشروع الحالي يفتقر إلى روح التشريع التشاركي الذي بُني عليه الإصلاح الدستوري، وأنه يجب أن يكون التشريع انعكاسًا لإرادة الشركاء في العدالة. وأشار إلى أن المشروع في نسخته الحالية اتخذ منحى بعيدًا عن أهداف الإصلاح الأصلية، مطالبًا بمراجعة بعض المقتضيات بعمق، مؤكدًا أن بعض التعديلات “انحراف” عن مسار الإصلاح المطلوب، حيث تم إدخال بعض النصوص التي تقيّد حقوق الدفاع وتُحمل المحامين مسؤوليات لا تتناسب مع دورهم.
وفي حديثه عن السياق الخاص، قال رويبح إن مشروع المسطرة المدنية جاء لإيجاد حلول لأشكالات كثيرة تراكمت على مر السنوات، مشيرًا إلى أن هذه الإشكالات تم تشخيصها عبر دراسات وتوصيات عُرضت على المسؤولين في القطاع. ولكنه أعرب عن أسفه لأن نتائج تلك التوصيات تم تفسيرها بشكل مغاير من قبل الفاعلين السياسيين، مما أدى إلى تقديم مشروع لا يعكس الأهداف المرسومة له.
انتقد رويبح أيضًا كيفية تناول بعض النصوص التي تم تقديمها كحلول للتحديات التي يواجهها قطاع العدالة، مشيرًا إلى أن بعض النصوص جاءت بحلول تفتقر إلى العمق، ولا تراعي واقع المحاكم ومشاكل تراكم الملفات التي أصبحت تشكل ضغطًا كبيرًا على الجهاز القضائي. وأشار إلى أن “الأجل الاسترشادي” و”الزمن القضائي” المضمن في النص الحالي مجرد حلول سطحية ولا تعالج جوهر الإشكالات التي يعاني منها النظام.
وأشار رويبح إلى أن هناك حملة لتشويه صورة المحاماة، حيث يتم تحميل المحامين مسؤولية تأخر العدالة، واعتبر ذلك ادعاءً غير صحيح يعكس تباعدًا بين المؤسسة التشريعية وواقع المحاماة. وقال إن مشروع القانون يتعامل مع المحاماة وكأنها المسؤولة الرئيسية عن التحديات في منظومة العدالة، وهو ما يزيد من الضغط على المحامين ويعرقل ممارسة مهنة الدفاع.
وفي تعليقه على استقلال السلطة القضائية، أشار رويبح إلى أن استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل كان خطوة مهمة، لكن التداخل بين السلطات لا يزال مستمرًا، مؤكدًا أن هناك تماوجًا بين السلطات يشوّش على مسار التشريع في المغرب. وأعرب عن قلقه من تدخلات جهات معينة في العمل التشريعي، معتبرًا أن هذه التدخلات تعيق عمل البرلمان وتؤثر على نزاهة التشريع.
واختتم رويبح مداخلته بالتأكيد على أن النقاش حول مشروع قانون المسطرة المدنية يجب أن يتجاوز الخلافات السياسية وأن يركز على بناء نظام قانوني يحقق العدالة للجميع، مؤكدا على أن مهنة المحاماة ستظل حاضرة في الدفاع عن حقوق المواطنين ومبادئ العدالة، داعيًا إلى مراجعة النصوص القانونية لضمان انسجامها مع متطلبات العصر ومع دستور 2011، بما يحافظ على مكانة المحامين كجزء أساسي من نظام العدالة في المغرب.