قدم الباحث والمحلل السياسي المتخصص في الجماعات الإسلامية، إدريس الكنبوري، تحليلاً عميقاً لظاهرة العلمانية في المغرب، مصنفاً أنماط العلمانيين وعلاقتهم بالإسلام والحداثة.
ورصد الكنبوري ثلاثة أصناف رئيسية للعلمانيين في المغرب. الأول يتمثل في العلماني الجاهل بالإسلام، الذي يصدر أحكاماً دون معرفة عميقة بالدين وتاريخه، أما الصنف الثاني فهو العلماني الفرانكفوني الذي يستقي تصوراته عن الإسلام من الكتابات الأوروبية، والصنف الثالث هو العلماني الذي يحمل كراهية مسبقة للإسلام، ويقرأه بهدف البحث عن الثغرات والأخطاء.
وأكد الكنبوري أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه الأصناف الثلاثة “لا تفهم الإسلام ولا تفهم العلمانية”، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الحقيقية لكليهما، مستدلا على ذلك بتجاهل العلمانيين للحريات التي كفلها الإسلام تاريخيا، مثل حرية الاعتقاد والتنقل.
ودحض الكنبوري الادعاءات القائلة بتعارض الإسلام مع التنوير والحداثة، مستشهداً بأمثلة تاريخية، مشيرا إلى أن مفهوم “التنوير” كان حاضراً في التراث الإسلامي قبل ظهوره في أوروبا، مستدلا بكتاب ابن عطاء الله السكندري “التنوير في إسقاط التدبير”.
واستعرض الكنبوري تجليات الحداثة في التراث العربي والإسلامي، مشيرا إلى التجديد في الشعر العربي كنموذج، ومستشهدا بتجارب شعراء مثل أبي نواس وأبي تمام، الذين جددوا في القوالب الشعرية وكسروا القواعد التقليدية.
وخلص الكنبوري إلى ضرورة تجاوز القراءات السطحية والمشوهة للإسلام والعلمانية معا، داعيا إلى فهم أعمق للتراث الإسلامي وعلاقته بالحداثة، بعيدا عن الأحكام المسبقة والتصورات المشوهة التي يروج لها بعض العلمانيين في المغرب.
وقدم الكنبوري في ذات الحوار، رؤية مختلفة عن العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام، مشيراً إلى الفارق الجوهري بين المسيحية والإسلام في هذا السياق، قائلا: ففي حين عرفت المسيحية ازدواجية بين شخصية المسيح والإمبراطور، فإن الإسلام لم يعرف هذا التمييز، حيث جمع النبي محمد ﷺ بين القيادة الدينية والسياسية والعسكرية، وهو نمط استمر مع الخلفاء الراشدين وحتى العصر العثماني”.
وكشف الكنبوري عن مفارقة “مثيرة” في تاريخ العلمانية الأوروبية، حيث أوضح أن مؤسسي الفكر العلماني أنفسهم لم يستطيعوا التخلص تماما من المرجعية الدينية، مستشهدا بفلاسفة مثل جان جاك روسو وإيمانويل كانط وديفيد هيوم، الذين استخدموا مصطلحات مثل “الدين المدني” و”الدين الطبيعي”، مؤكداً أنهم أدركوا استحالة تأسيس منظومة أخلاقية جديدة دون الاستناد إلى الآليات الدينية.
وتبقى رؤية الكنبوري دعوة للحوار الموضوعي والفهم المتبادل، بعيداً عن التشويه والإقصاء، في سبيل بناء نقاش مجتمعي بناء حول قضايا الهوية والحداثة في المغرب.