وسط صدمة الأصدقاء وزملاء النضال، ودّع الحقوقي والشاعر المغربي محمد السكتاوي العالم على طريقته، تاركاً خلفه قصيدةً حملت عنوان “المحطة الأخيرة”، جاءت كأنها تأملاته الأخيرة في الحياة والموت.
الكلمات، التي تتقاطع فيها مشاعر الألم والسلام، عكست وعيه العميق بلحظة الرحيل، ومزجت بين وجوده المادي وسفره نحو المجهول.
القصيدة، التي كتبها السكتاوي قبل أيام قليلة من وفاته، تجسد تجربة الشاعر في مواجهة المرض وقرب الموت. استحضر فيها صوراً عميقة وحسية عن جسده المنهك وقلبه المتمرد، الذي قاده نحو “محطة الراحة الأبدية”.
“المحطة الأخيرة”
حينما اتصلت بي منذ أربعة أيام
وتحدثنا لثوان، كنت عاجزاً عن الحركة تماماً،
وقلبي يركض بعنف—
مثل حصان جامح.
وصلت قسم الإنعاش،
ومن حينها لا جهد لي على الحركة.
وضعوني في السرير وبقيت كذلك.
قالوا: “إن وضعك حرج،
قلبك تمرد عليك،
وأنت فقدت قدرة مسك اللجام وقفز الحواجز.”
وضعية حرجة جداً،
لأن القلب أمعن في تمرده،
وتضامنت معه الكلمات والخطوات والنظرات.
فرّ الهواء من صدرك،
وجفّ الماء في سواقي جسدك.
لا شيء على ماهو،
والأطباء في حيرة من أمرهم،
ينتظرون الأسوأ.
أما أنا فأحس أن ثقلاً كبيراً يزول عني.
أتقدم منتشياً نحو محطة الراحة الأبدية،
ففيها أيضاً ما يمكن أن يقتنصه المرء
من سديم الوجود المطلق،
بلا حلبة سباق
أو خيول جامحة.
حين اتصلتَ منذ أربعة أيام،
صوتك تلاشى في ذاتي،
كان قلبي يركض بعنف—
مثل حصان جامح بلا لجام.
وفي قسم الإنعاش،
لم يجد عشبا أخضر ولا جبال ثلج،
نجنح ورفع ساقيه عالياً،
فصار جسدي معلقاً بين الريح
تربطه شبكة أسلاك.
“وضعك حرج”، قالوا.
تمرد القلب،
ورمى لجامه، وكفّ عن قفز الحواجز.
الهواء فرّ خائفاً من رئتك،
وجفّت السواقي داخلك.
عيون تحدق في الصمت،
ينتظرون الأسوأ.
أما أنا فأنجرفُ ببطء،
لا سقوط، لا صعود،
بل دوامة تتسعُ، تتسع.
ثقل غريب ينزاح عن صدري.
أمامي باب رخامي،
يفيض منه الفراغ لزجاً.
هناك انكشاف ما الوراء،
حيث لا سباق،
لا خيولٌ جامحة.
أخطو بلا أرض،
أغرق في السر الأخير.
وتشف في فمي كلمات،
قصيدة لم تكتمل،
تمد لي يدها الصامتة،
لتقودني نحو الفراغ المطلق—
ذاك الكمال الغريب
الذي لا يخشى النهاية.
محمد السكتاوي، الذي عرف بنضاله الحقوقي ومواقفه المبدئية، يترك برحيله قصيدة خالدة، تحمل في طياتها شهادة إنسانية وأدبية بليغة عن لحظات الرحيل. “المحطة الأخيرة” ليست فقط كلمات شاعر في وداع الحياة، بل هي وصيته الشعرية التي تلامس أعماق القارئ وتجعله شاهداً على تجربة فريدة بين الألم والسكينة.