الرئيسية / أقلام الحقيقة / الثامن من مارس.. يوم احتفاء أم استراحة نضال؟

الثامن من مارس.. يوم احتفاء أم استراحة نضال؟

أقلام الحقيقة
راوية الذهبي 08 مارس 2025 - 19:00
A+ / A-

في الثامن من مارس، تُضاء المساحات العامة، تُعقد الندوات، تُنشر الإحصاءات، وتُسرد الإنجازات، وكأن هذا اليوم هو لحظة استثنائية تُرفع فيها المرأة المغربية إلى مقام الاحتفاء، قبل أن تعود بعده إلى معترك الحياة، حيث يستمر النضال صامتاً، تتوارى الأصوات خلف أسوار الصراعات اليومية، بين مطرقة الحقوق وسندان الأعراف، بين وهم المساواة وحقيقة الاختلالات العميقة التي لا تزال تجرّ معها أوزار التاريخ والسلطة والقانون.

ليس الثامن من مارس مناسبة عابرة، ولا يوماً لتبادل عبارات الإعجاب والامتنان، بل لحظة فارقة تستدعي الوقوف عند إرث طويل من المقاومة، عند التاريخ الذي كتبته النساء بعرق الكفاح، وبمداد القهر أحياناً، وبنور الانتصارات في أحيان أخرى. إن كان هناك شيء لا يُمكن إنكاره في المغرب، فهو أن المرأة لم تكن في يوم من الأيام غائبة عن مسرح التحولات، لكنها كثيراً ما وُضعت على هامش الصورة، في زوايا مقيدة أو أدوار مرسومة سلفاً، حيث لا يتجاوز حضورها حدود المسموح به في مخيال مجتمعي متأرجح بين الحداثة والتقليد.

منذ فاطمة الفهرية التي بنت جامعة القرويين، مروراً بثريا الشاوي التي لم يكن لها أن تحلق في سماء الاستقلال إلا بعد أن دفعت ثمن ريادتها حياتها، إلى فاطمة المرنيسي التي قادت ثورة فكرية هادئة على البُنى الذكورية في النصوص والتاريخ، ثم نوال المتوكل التي اخترقت حواجز الرياضة والجغرافيا، وصولاً إلى نساء اليوم اللواتي يحملن على أكتافهن وزر التناقضات الكبرى بين التقدم النظري والعراقيل العملية، بين الدساتير والقوانين والخطابات الرسمية التي تحتفي بالإنصاف، والواقع الذي يعيد إنتاج نفس الصور التقليدية، بتعديلات شكلية ومسميات أكثر لمعاناً.

المسألة النسائية في المغرب ليست شأناً قانونياً أو حقوقياً فحسب، بل إشكال بنيوي تتقاطع فيه أبعاد متعددة، من التعليم إلى الاقتصاد، ومن السياسة إلى الثقافة، ومن التاريخ إلى البنية الذهنية التي لم تستطع التخلص من رواسب الهيمنة الأبوية المتغلغلة في كل زوايا المجتمع.

كيف يمكن الحديث عن المساواة، والمقررات الدراسية لا تزال تُرسّخ ثنائية المرأة الرقيقة المطيعة والرجل القوي العاقل؟ كيف يُمكن الحديث عن الإنصاف، وسوق العمل لا يزال يتعامل مع النساء كملحقات بالاقتصاد، قابلات للاستبعاد عند أول أزمة؟ كيف يُمكن الاحتفاء بالمرأة، والتمثيلية السياسية لها تُفرض عبر “كوطا” تحصر دورها في أرقام محكومة بسقف لا يتجاوزه الطموح النسائي مهما ارتفع؟

لا شيء يعيق التحول أكثر من الازدواجية التي تجعل المرأة رهينة بين خطابات رسمية تتحدث عن تمكينها، وعقلية مجتمعية لا تزال تتعامل مع حقوقها كمنحة يمكن منحها أو سحبها، وفق ضرورات اللحظة، وتوازنات القوى، وارتباطات السلطة بالبنيات التقليدية العميقة. فالمرأة المغربية التي تُطالب بالمساواة اليوم ليست بالضرورة هي تلك التي تُحسب ضمن النخب المتعلمة، التي تجلس على طاولة القرار أو تتصدر المشهد الإعلامي، بل هي أيضاً تلك العاملة في الحقول، وفي المعامل، وفي المنازل، وهي تلك التي تحمل اقتصاد القطاع غير المهيكل على كتفيها، دون أن يُحسب جهدها ضمن حسابات الإنتاج الوطني.

إنها الأم التي تُحاصرها القوانين بين المسؤوليات الأسرية وغياب أي دعم مؤسساتي حقيقي لتحقيق التوازن بين حياتها الشخصية ومسارها المهني، إنها الطالبة التي تقرأ في مقرراتها عن النساء العظيمات، ثم تُفاجأ أن سقف أحلامها لا يزال مقيداً بقواعد لم تشارك في وضعها، وهي أيضاً تلك المرأة في القرية النائية، التي لا يصل إليها النقاش حول القوانين والتشريعات، لأنها لا تزال تخوض معركة الأمية، وتقاوم قسوة الحياة، وتبحث عن مورد رزق يُعفيها من التبعية.

المرأة المغربية حققت الكثير، نعم، لكنها لم تحصل بعد على كل ما تستحقه، لأن الطريق إلى الإنصاف ليس فقط في القوانين، ولا في التمثيلية الرقمية داخل المؤسسات، بل في القطع مع البنى الفكرية التي تضعها في موضع “المستثناة”، في موقع من يحتاج دوماً إلى تبرير وجوده، وإثبات جدارته، وانتزاع حقوقه كما لو كانت فضلاً، لا جزءاً طبيعياً من سيرورة التطور المجتمعي. ليس من باب المصادفة أن تكون النساء في الصفوف الأولى للحركات الاحتجاجية، في النقابات، في الحركات الحقوقية، في الكفاح ضد التهميش والفقر، لأن معركتهن ليست منفصلة عن معركة الديمقراطية نفسها، وعن بناء دولة حديثة تقوم على مبدأ المواطنة الكاملة، لا المواطنة المقيدة بسقف الممكن والمسموح.

إن الاحتفال بالمرأة في يومها العالمي يجب أن يكون أكثر من مجرد طقوس بروتوكولية أو خطابات رسمية تُردد عبارات منمقة حول الإنجازات، لأن الفارق بين الواقع والمثال لا يزال شاسعاً، والمسافة بين الحقوق المكتوبة والممارسة اليومية لا تزال معقدة.

لا يمكن إنصاف المرأة دون مساءلة المنظومة الثقافية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية التي تُعيد إنتاج الهشاشة في أشكالها المختلفة، ولا يمكن الحديث عن مجتمع متقدم دون أن تكون المرأة في قلب هذا التقدم، شريكة لا مجرد متلقية، فاعلة لا مجرد مستفيدة.

إذا كان التاريخ قد سجل أسماء نساء مغربيات كسرن الحواجز، فإن الحاضر لا يزال يُطالب بالمزيد، يُطالب بمجتمع لا يحتفل بالمرأة يوماً ثم يتجاهل قضاياها طوال العام، بل يجعل من الإنصاف قاعدة لا استثناء، ومن المساواة ممارسة لا شعاراً، ومن الاعتراف بدورها في بناء المستقبل خياراً استراتيجياً، لا مجرد نقطة في جدول أعمال مناسباتي.

فالمجتمع الذي يريد أن ينهض، لا يمكنه أن يفعل ذلك بنصف طاقته، ولا يمكنه أن يسير إلى الأمام بينما لا تزال أقدامه مقيدة بأعراف لم تعد تليق بزمن التحولات العميقة.

في الثامن من مارس، لا يكفي أن نقول للمرأة المغربية “شكراً”، بل يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا بعد؟

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة