في حديث شيق لموقع “فبراير.كوم”، يأخذنا الشاعر والصحفي المغربي عبد اللطيف بنيحيى في رحلة عبر ذاكرته ودروب مدينة طنجة العتيقة، مستعرضًا محطات من طفولته، وتاريخ المدينة، وشخصيات أثرت فيها، كاشفًا عن خبر حصري يتعلق بالشاعر الكبير أدونيس.
بدأ بنيحيى حديثه، وكاميرا “فبراير.كوم”، ترافقه من “باب البحر”، نقطة الجذب الهائلة لزوار طنجة، مشيرًا إلى الانبهار الذي أصاب الشاعر أدونيس بهذا الفضاء.
وزفّ بنيحيى خبرًا حصريًا لمتابعي “فبراير.كوم” بأن أدونيس قد أكمل مؤخرًا، قبل أيام قليلة، نصًا شعريًا مطولًا يكاد يشكل ديوانًا كاملًا عن طنجة، وصفها الشاعر الكبير بأنها “مدينة أسطورية”.
ويتضمن هذا العمل مقاطع بعناوين مخصصة لأماكن طنجاوية، من ضمنها مقطع جميل بعنوان “باب البحر”، ومن المتوقع الاحتفاء بهذا الديوان قريبا.
تطرق بنيحيى إلى سور طنجة ودوره التاريخي في حماية المدينة، خاصة من الاحتلال البرتغالي الذي فشل في اقتحامها بحرًا، واضطر للدخول عبر أصيلة برًا.
وعبر عن استيائه الشديد من “فجوة” أُحدثت في السور قرب باب البحر في فترة سابقة، ربما لأغراض انتخابية لتسهيل مرور سكان سيدي بوقنادل، معتبرًا ذلك “جريمة حضارية بكل المواصفات”. وقد تم إغلاق هذا “الخرق السافر” لاحقًا ضمن ورش إعادة تأهيل المدينة العتيقة.
واستحضر بنيحيى طفولته المبكرة ورهبته من عبور “الزنقة الطويلة”، التي كانت الأمهات يخوفن بها الأطفال بأسطورة “عمتي غويلة”. انتقل بعد ذلك للحديث عن بيت أسرته بحي القصبة، القريب من السور، والذي يكن له “علاقة عشقية لا حدود لها”. شهد هذا البيت ذكريات لا تُنسى: رؤية العسكر الدوليين والمندوب السلطاني التازي، أخذه للمستشفى الإنجليزي للختان في سن الثالثة، وسقوطه من السور الملاصق للبيت لولا أن تشبث بشجيرة “خرواع” أنقذته.
كما كان والده ناشطًا في “الجمعية الخيرية الإسلامية”، وكان الدكتور عبد اللطيف بن جلون، المناضل الاتحادي الذي سيصبح عاملًا على طنجة لاحقًا، يزورهم في البيت لإجراء التلقيح.
أشار بنيحيى إلى بيوت شخصيات بارزة في محيط سكنه، كبيت العلامة محمد الزمزمي بن الصديق، وبيت المؤرخ والأديب الكبير عبد الله كنون صاحب “النبوغ المغربي”، والذي كان يستقبل زيارات علال الفاسي.
ومن الأزقة التي ارتادها طفلًا، “زنقة بن عبو” التي تؤدي إلى ضريح “سيدي أحمد بوقودجة”، الذي استلهم منه الرسام العالمي هنري ماتيس إحدى لوحاته الشهيرة، مفتونًا بـ”ضوء طنجة” الساطع. كما أن أدونيس أفرد لهذا الضريح مقطعًا شعريًا في ديوانه المرتقب.
خلال جولة بنيحيى مع أدونيس في نفس المنطقة، التقيا بفتاة تعمل على آلة نسيج تقليدية. انبهر أدونيس بعملها، واشترى منها بنيحيى هدية قدمها للشاعر، الذي اعتبرها من أعز الهدايا. وبالصدفة، التقى بنيحيى بنفس الفتاة خلال تصوير هذا الحوار، والتي تذكرت الزيارة، وهي اليوم طالبة جامعية في الاقتصاد تستمر في مزاولة حرفتها التقليدية.
مرّ بنيحيى بمحاذاة مدرسة القصبة (التي أصبحت تسمى مدرسة فاطمة الفهرية)، والتي كانت مخصصة للبنات قديمًا ودرست بها أخته، قبل أن تخضع لترميم وتصبح مختلطة. وصولًا إلى مسجد القصبة، أحد أقدم مساجد المدينة، والذي حوله البرتغاليون إلى كنيسة إبان احتلالهم.
وبعد تحرير المدينة على يد المولى إسماعيل من الإنجليز (الذين تسلموا المدينة كمهر من البرتغاليين)، أعيد المسجد إلى سابق عهده. ويتميز المسجد بمنارته الثمانية الأضلاع.
تفتح أزقة القصبة على ساحة المشوار الفسيحة، حيث يقع متحف القصبة (دار المخزن سابقًا) الذي يؤرخ لماضي المدينة العريق. وبجوار المتحف، “نادي أبناء البوغاز” الذي أسسه الراحل عبد المجيد مودن وشهد ولادة فنانين كسعيد بالقاضي. كما أشار بنيحيى إلى موقع كان بمثابة محكمة، حيث كان المتهمون يُجلدون علنًا عند “باب العصا” المجاور، قبل إيداعهم سجن القصبة القريب، الذي تحول اليوم إلى فضاء للعروض الفنية، وهو ما تمنى بنيحيى لو بقي شاهدًا على تاريخه كسجن.
عبر “دروج براشون”، وصل بنيحيى إلى محيط قصر المليونيرة الأمريكية بربرة هوتون، التي اختارت طنجة مقرًا لها حتى وفاتها. يذكرها بنيحيى في أواخر أيامها تُحمل على هودج لتتأمل فضاءات المدينة التي عشقتها. القصر الذي اشترته من الصحفي وولتر هاريس، يضم بداخله ضريح “سيدي الحسني”، في تجسيد لافت لتعايش الثقافات والأديان. فقد كانت أصداء ليالي القصر الصاخبة بموسيقى البلوز والجاز تمتزج بأوراد وذكر مريدي الزاوية الدرقاوية الصديقية المجاورة، حيث كان يخرج هؤلاء بذكر الله ليلتقوا بضيوف هوتون السكارى أحيانًا في سلم وتعايش فريد.
كان البيت الثاني الذي سكنته أسرة بنيحيى في هذا المحيط، مما عمّق لديه الجانب الروحاني لقربه من الزاوية الدرقاوية الصديقية، حيث كان يؤدي صلاة الفجر. لهذه الزاوية مكانة خاصة في تاريخ عائلته، فجده لأمه، الشيخ العربي بن العربي بوعياد الطنجي، كان من مؤسسيها ورفيق درب شيخها محمد بن الصديق الغماري وخطيب جمعتها. وهو مدفون فيها بجوار شيخه والعديد من أفراد عائلته، منهم ابن خالته محمد المكي زيلاشي، الذي كان مكلفًا بمهمة لدى الوزير الأول أحمد عصمان وتوفي في حادث تفجير طائرة بروما. وختم بنيحيى بحكاية تسميته؛ ففي عام 1952، وسط أمطار غزيرة، طلبت والدته من جده الشيخ العربي أن يسمي مولودها الجديد، فضمّه الجد إلى صدره وقال: “الناس كلها تسعى اللطيف.. نسمي ابنك عبد اللطيف”.
بهذه الذكريات الغنية، يرسم عبد اللطيف بنيحيى صورة حية لطنجة العتيقة، مدينة تختزن التاريخ والأساطير الشخصية والجماعية، وتلهم المبدعين كأدونيس، وتظل شاهدة على تعايش فريد بين ثقافات وأزمنة مختلفة.