“نظرية العشرية” كيف خططت المؤسسة الملكية لمستقبل الصحراء كل 10 سنوات؟
أكد الدكتور سعيد بوشاكوك، الباحث المهتم بالشأن المحلي، في حديث لموقع “فبراير”، أن قضية الوحدة الترابية، وبشكل خاص ملف الصحراء، لم تكن مجرد نزاع ترابي، بل شكلت المحرك الأساسي لمسار التحول الديمقراطي في المغرب، كاشفاً عن رؤية استراتيجية للمؤسسة الملكية تتعامل مع هذا الملف بمنهجية مدروسة وطويلة الأمد.
وأوضح بوشاكوك الذي حل ضيفا على “فبراير” بمدينة العيون، أن فترة ما بعد الاستقلال شهدت تحديات سياسية، لكن قضية استكمال الوحدة الترابية هي التي فتحت الباب لحوار وتوافق بين القصر وقوى الحركة الوطنية، مما أرسى أسس المسار الديمقراطي المغربي. واعتبر أن “المسيرة الخضراء” عام 1975 لم تكن فقط حدثاً لاسترجاع الأرض، بل كانت الانطلاقة الفعلية لما سماه “التحول الديمقراطي”، مؤكداً أن هذه القضية مثلت “نعمة على الوطن ككل”.
ولفت بوشاكوك الانتباه إلى نمط متكرر في تعامل الدولة مع الملف، أسماه “نظرية العشرية”، حيث شهد كل عقد تقريباً مبادرة ملكية كبرى تعكس ذكاءً سياسياً ورؤية بعيدة المدى. واستعرض أمثلة بارزة: المسيرة الخضراء (1975)، الزيارة التاريخية للملك الحسن الثاني للأقاليم الجنوبية (1985) التي حملت رمزية مرور قرن على زيارة مماثلة للسلطان الحسن الأول، مبادرة معالجة تشغيل أبناء الصحراء (1995)، طرح مقترح الحكم الذاتي (2005)، وصولاً إلى إطلاق النموذج التنموي الجديد بالتزامن مع الذكرى الأربعين للمسيرة (2015)، وهو رقم يحمل دلالة النضج والوعي. ويتوقع شاكوك أن تكون 2025 محطة مفصلية أخرى في ضوء التحركات الدبلوماسية الدولية الأخيرة.
واستحضر ضيف “فبراير”، مقولة الملك محمد الخامس “خرجنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، أكد شاكوك أن الجهاد الأكبر تمثل في الوحدة والتنمية. وترجم ذلك في الصحراء بالتركيز الأولي على “تعمير المنطقة” والحفاظ على هوياتها وبناء مسار إصلاحي متدرج. هذا المسار أفرز نخباً محلية متفاوتة، لكنه راكم تجربة جعلت الصحراء “محط اهتمام العالم”.
ويرى بوشاكوك أن الصراع “انتهى زمنياً”، وأن التحدي الحالي هو “تدبير المرحلة الانتقالية”، المتمثلة أساساً في تهيئة الظروف لعودة سكان مخيمات تندوف إلى وطنهم، وهو ما يتطلب بيئة سليمة وجهداً خاصاً من الساكنة المحلية التي وصفها بأنها “أهل لها” بحكم صبرها وقدرتها على الاستيعاب.
وفي هذا السياق، يبرز مقترح الحكم الذاتي، الذي وصفه بوشاكوك بـ”الخيمة الكبرى التي ستجمع كل شيء”، كحل قادر على استيعاب كافة مكونات المجتمع الصحراوي ضمن الوحدة الوطنية، مع الحفاظ على الخصوصيات. إنه يمثل، حسب رأيه، القدرة على “الجمع بين المتناقضات لخلق منتوج إيجابي”، وهو ما يضمن مستقبلاً آمناً ومزدهراً للمنطقة وسكانها.
وفي ختام تحليله، وجه الدكتور بوشاكوك نداءً للنخب المحلية المنتخبة، داعياً إياها إلى التحلي بالواقعية والعقلانية، والإنصات لنبض المجتمع، والدفاع عن مصالح الساكنة لترك بصمة إيجابية، مشددا على الأهمية القصوى لمعالجة قضية تشغيل الشباب، معرباً عن أمله في نجاح البرامج الحكومية الحالية في تحقيق ذلك، بما ينسجم مع رؤية “رابح-رابح” التي تنهجها المملكة في تنمية أقاليمها الجنوبية وتعزيز علاقاتها الإقليمية والدولية.