دخلت العلاقات الفرنسية الجزائرية مرحلة تصعيد خطير، بعد أن أعلنت باريس، في 15 أبريل 2025، سحب سفيرها لدى الجزائر ستيفان روماتيه للتشاور، بالتزامن مع قرار طرد 12 دبلوماسيًا جزائريًا من السفارة الجزائرية في باريس، في خطوة ردّت بها فرنسا على قرار جزائري مماثل بطرد 12 موظفًا في السفارة الفرنسية بالجزائر خلال 48 ساعة فقط.
هذا التدهور الحاد في العلاقات بين البلدين جاء عقب اعتقال السلطات الفرنسية لثلاثة مواطنين جزائريين، من بينهم مسؤول قنصلي، يوم 11 أبريل الجاري، بتهم ثقيلة تشمل الخطف والاحتجاز التعسفي والانتماء إلى منظمة إرهابية، وذلك على خلفية اختطاف الناشط والمعارض الجزائري أمير بوخرس، المعروف باسم أمير DZ، والذي يعيش في فرنسا منذ 2016 ويتمتع باللجوء السياسي منذ 2023.
ويُعد أمير DZ من أبرز الأصوات المعارضة للنظام الجزائري، حيث يتابعه أكثر من مليون شخص على منصة تيك توك، في حين تصنفه السلطات الجزائرية كـ”فار من العدالة”، وقد أصدرت في حقه تسع مذكرات توقيف دولية، تتهمه بالاحتيال والإرهاب، بينما رفضت باريس مرارًا طلبات تسليمه، معتبرة أن وضعه القانوني محمي بموجب اللجوء السياسي.
ردّ الجزائر لم يتأخر، إذ سارعت إلى استدعاء السفير الفرنسي في الجزائر للاحتجاج الرسمي، منددة بما وصفته بـ”الخرق السافر للحصانة الدبلوماسية”، ومعتبرة أن توقيف دبلوماسيها تم “بشكل علني، ومن دون أي إخطار رسمي”، وهو ما وصفته بـ”السابقة الخطيرة”، محذرة من أن ذلك سيتسبب في “أضرار بالغة” للعلاقات الثنائية.
لكن باريس قابلت هذا الموقف بمزيد من التصعيد، إذ خرج وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بتصريحات حازمة، أكد فيها أن بلاده لن تتهاون في الرد الفوري على أي تصعيد دبلوماسي من الجانب الجزائري، وهو ما تجسّد فعليًا بسحب السفير الفرنسي وطرد دبلوماسيين جزائريين، في واحدة من أخطر الأزمات بين البلدين منذ الاستقلال.
ويأتي هذا التوتر في سياق سلسلة من التراكمات التي عمّقت التباعد بين الجزائر وباريس، من أبرزها موقف فرنسا الداعم لخطة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، وهو الإعلان الذي صدر في يوليو 2024 وأثار غضب الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو.
كما زادت قضية اعتقال الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال، المحكوم عليه في الجزائر بالسجن خمس سنوات بتهمة “تقويض وحدة الدولة”، من تأزيم الوضع، خاصة بعد مطالبة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإطلاق سراحه.
ومع دخول العلاقات بين البلدين هذه المرحلة من القطيعة الفعلية، تزداد المخاوف من انعكاسات سلبية على عدد من الملفات الحيوية، سواء المتعلقة بالتعاون الأمني والهجرة، أو المصالح الاقتصادية والطاقية التي تربط بين البلدين، ما يجعل هذه الأزمة مفتوحة على كافة السيناريوهات، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على التهدئة أو الوساطة.