في مداخلته خلال الندوة العلمية التي نظّمتها جمعية تحدي للمساواة والمواطنة ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، أكد أنس سعدون، عضو نادي قضاة المغرب، أن الفضاء الرقمي رغم ما يقدمه من فرص معرفية وتواصلية لا يمكن إنكارها، فإنه لا يخلو من مخاطر، مشددًا على أن “كل جريمة يمكن أن تقع في الواقع، يمكن أن تتحقق أيضًا في الفضاء الرقمي”.
وأوضح أنس سعدون أن العنف الرقمي بات يتخذ أشكالًا متعدّدة، تتراوح بين الابتزاز وانتهاك الخصوصية إلى الاستغلال الجنسي، مما يطرح تحديات قانونية حقيقية أمام أجهزة إنفاذ القانون. وأشار إلى غياب تعريف قانوني دقيق للعنف الرقمي، وهو ما يؤدي، حسب قوله، إلى “جهل العديد من الضحايا بأنهن فعلاً ضحايا، وبالتالي يحجمن عن التبليغ خوفًا من التعرض للتجريم بدل الحماية”.
واستعرض سعدون جملة من الإشكالات التي تحول دون ولوج النساء والفتيات إلى العدالة، منها تضارب النصوص القانونية وتعددها، دون تنسيق أو تقاطع فعال بينها. كما ضرب مثالًا بحالة عملية عاينتها الجمعية، حيث تعرضت فتاة للابتزاز الرقمي تطوّر إلى علاقة جنسية غير رضائية تحت التهديد.
ورغم التعامل الإيجابي للسلطات القضائية مع هذه الضحية، إلا أن غياب وضوح في التكييف القانوني للجريمة – هل هي ابتزاز، انتهاك خصوصية، اغتصاب، أم استدراج لأغراض الاتجار بالبشر؟ – يكشف مدى تعقيد هذه القضايا.
وشدّد سعدون على أن النساء يتحملن العبء الأكبر من هذا النوع من العنف، نتيجة الهشاشة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، حيث تؤدي فضائح رقمية بسيطة أحيانًا إلى انسحاب الضحية من الدراسة أو العمل، أو إلى وصم اجتماعي يلازمها طويلًا.
واعتبر أن إثبات هذه الجرائم يبقى أحد أعقد الجوانب، خاصة في ظل إقدام العديد من الضحايا على حذف الأدلة أو حظر الجناة فور وقوع الاعتداء، ما يجعل من جمع وسائل الإثبات تحديًا جوهريًا، ويبرز أهمية تأطير الضحايا وإرشادهن إلى السبل القانونية الممكنة قبل فوات الأوان.
وختم سعدون مداخلته بالتأكيد على دور المجتمع المدني، ليس فقط في الدعم النفسي والقانوني، ولكن في التوعية والتحسيس بضرورة التبليغ ومحاربة الإفلات من العقاب، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعنف يستهدف حميمية النساء في فضاء يُفترض أنه فضاء حر وآمن.