في واقعة تهز أعمدة المؤسسة الجامعية وتضرب ما تبقى من ثقة في منظومة التعليم العالي بالمغرب، تفجرت داخل كلية الحقوق ابن زهر بأكادير فضيحة مدوية كشفت عن تورط أستاذ جامعي في شبكة يشتبه في تلاعبها بملفات التسجيل في سلك الماستر، مقابل مبالغ مالية، مع توزيع شهادات جامعية بطرق تثير الريبة وتطعن في جوهر العدالة الأكاديمية.قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمراكش أمر بإيداع الأستاذ الجامعي السجن المحلي الأوداية، فيما تم وضع عدد من المشتبه فيهم الآخرين تحت تدابير المراقبة القضائية، من بينهم محامون وموظفون عموميون، في قضية أعادت للأذهان مشهدًا قاتمًا عن هشاشة الحقل الجامعي وعمق اختلالاته.
ولم تكن هذه الاتهامات وليدة اللحظة، بل تعود جذور الملف إلى أكثر من ثلاث سنوات، حين قادت التحقيقات الجارية حول اختلالات مالية موثقًا إلى الكشف عن علاقات مالية مريبة جمعت بينه وبين الأستاذ المعتقل، اتضح من خلالها أن الموثق نفسه نال شهادة الماستر من الشعبة التي يشرف عليها الأستاذ الجامعي، في مشهد يعكس تبادل المصالح داخل منظومة مغلقة تُحكمها الولاءات أكثر مما يُحكمها القانون.
محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، علق على هذه الفضيحة قائلاً إن “الفساد المتعفن فاح ريحه في كل مكان، والجميع كان يعلم أن الأستاذ المعني تحوم حوله شبهات خطيرة دون أن يُمس، بل ظل يتمتع بحصانة غير مفهومة”، مؤكداً أن “نار هذا الفساد أحرقت أحلام مئات الطلبة من أبناء الفئات الفقيرة، الذين لم يجدوا بابًا للولوج بسبب منظومة تمييز غير معلنة”.
ووجه الغلوسي دعوة صريحة إلى توسيع التحقيق ليشمل جميع الشهادات التي مُنحت تحت إشراف هذا الأستاذ، مبرزاً أن الفساد لا يقف عند عتبة جامعة واحدة، بل يمتد إلى جامعات أخرى بصيغ متباينة.
من جهته قدم عبد الرحيم الوالي أستاذ مادة الفلسفة، عبر صفحته الرسمية رؤية إصلاحية شاملة وجذرية، تقوم على نزع الامتحانات من يد الكليات وربطها بلجان مركزية مستقلة تحت حراسة أمنية مشددة، لمنع التلاعب.
كما دعا إلى إلغاء المباريات الشكلية في التسجيل، مع توزيع الطلبة على الأساتذة وفق آلية إلكترونية شفافة، مؤكداً أن “الجامعة لن تُصلح إلا حين نُغلق أبواب العبث، ونعيد للمؤسسة معناها الأخلاقي والمعرفي”.
الملف، الذي وصفته الصحافة بأنه “جريمة في حق العدالة التعليمية”، وضع مؤسسات الدولة أمام امتحان شفافيتها. وإذا كانت النيابة العامة قد فتحت تحقيقاً على مستوى جرائم الأموال، فإن الرأي العام ينتظر معرفة ما إذا كان القضاء سيتجه نحو مساءلة كل المتورطين، لا الاكتفاء بتقديم “كبش فداء”، كما حدث في ملفات سابقة.
كما ان ما يجعل هذه القضية أكثر خطورة، أنها تأتي في سياق سياسي دقيق، حيث يُناقش البرلمان قيودا جديدة على دور الجمعيات في التبليغ عن الفساد، وهو ما دفع الغلوسي إلى القول: “الآن فقط يمكن أن نفهم لماذا يريد البعض إخراس الجمعيات: لأنها ببساطة هي التي تملك الشجاعة لكشف المستور”.
وفي خلفية المشهد، تتعمق أسئلة صعبة: كم شهادة ماستر بيعت؟ كم مستقبلا طمس؟ كم وظيفة شغلت بناء على دبلوم فاسد؟ ومن يحمي شبكات تسليع المعرفة؟ الفضيحة، إن لم تتحول إلى لحظة انكشاف وطني صريح، فلن تكون سوى فصل جديد من فصول انهيار المعنى في الجامعة المغربية.