في زمن تغلب فيه الأسماء على المعاني، رحل الشيخ عبد العزيز الكرعاني، الإمام المغربي الذي لم يُعرف بكثرة القول، ولا بوفرة الظهور، بل عُرف بصوتٍ خفيض يفيض بخشوع، وبسيرة لا تزاحم الضوء، لكنها تفرض الاحترام.
نشأ الكرعاني في بيتٍ أحبّ القرآن، وربّاه على أدبه قبل أن يحفظ ألفاظه. التحق بالكتّاب وهو لم يبلغ الخامسة، فكان خاله أول من ألقى في روحه بذور الارتباط بالكتاب العزيز. وهناك، في جلسات اللوح والمحبرة، بدأت علاقته بنصّ لم يفارقه يومًا، ورافقه حتى آخر عمره، إمامًا وقارئًا، وحاملًا للسكينة.
لم يكن طريقه في الإمامة مفروشًا بشهرة ولا سعي إلى مجد. بدأ من المساجد الصغيرة في الحيّ، من مسجد خاله، ثم إلى مسجد التوبة، فـالتيسير، إلى أن ارتبط اسمه بـمسجد السلام، حيث كان يؤم الناس في ليالي رمضان، تحديدًا في صلوات التراويح بين عامي 2003 و2006، وقد شهد له من صلّى خلفه أن صوته لم يكن يُسمع، بل يُحسّ، وأن تلاوته كانت تمس القلب قبل الأذن.
ثم استقرّ في مسجد القاضي عياض بمدينة الدار البيضاء، حيث لازم محرابه لسنوات، قارئًا في الصلاة، حاضنًا للناس في دعائهم، وواقفًا بين يدي الله في هيئة من التواضع لا تصطنع، بل تُرى وتُشهد.
لم يكن الشيخ عبد العزيز خطيبًا مفوّهًا، ولا واعظًا يطرق المنابر، لكنه كان إمامًا يُجيد الصمت كما يُحسن التلاوة، وكانت سكينته أبلغ من الخطاب، وتواضعه أعمق من كل بيان. صوته الرزين، وإقباله الصادق على كتاب الله، جعلاه أقرب إلى القلوب من كثيرين، وإن لم يعرفه الإعلام، فقد عرفه الركع السجود.
برحيله، طُويت صفحة من صفحات الإمامة التي لا تُدوّن كثيرًا، لكنها تبقى في ذاكرة من عايشها.
ورحل صوت، وإن لم يدوَّ في تسجيلات شهيرة، فقد دوَّنته النفوس التي وجدت في تلاوته طمأنينةً، وفي حضوره بركة.