صوتٌ واحد، وألف حكاية وحكاية… حين يتكلم، يصمت الجميع، وحين يسرد، تعود الحياة إلى أزمنة الأجداد. عبد الحق بوعمر، الحكواتي المغربي الذي جعل من صوته جسرا بين الماضي والحاضر، ومن لباسه هوية تسافر عبر الثقافات.
بوعمر، الذي يعتبر نفسه “سفيراً للتراث”، يرى في كل تفصيل من هيئته رسالة. يقول بفخر وهو يشير إلى لباسه: “هذا منتوج مغربي خالص، من الثوب إلى السفة والشربيل. نصممه بلمسة شرقية حين نكون سفراء في المشرق، لكن الجوهر واللكنة والدارجة المغربية هي الأساس”. هذا الزي الذي يجمع بين الأصالة والانفتاح، هو مقدمة لعالم من السرد يبدأ دائماً بعبارته الشهيرة: “بسم الله نبدا بالذكر، نرش الأرض ورد والزهر…”.
لكن وراء هذا الشغف الفني، يكمن قلق عميق على مستقبل الحكاية الشعبية. من هذا المنبر، وجه بوعمر نداء مباشرا وصريحا للمسؤولين عن قطاع التعليم.
وقال بنبرة تجمع بين الحرص والأمل: “أوجه نداءً لكل مدراء ومديرات المؤسسات التعليمية، سواء كانت خصوصية أو عمومية. الوزارة أدرجت الحكاية في المنظومة التعليمية، ولكن وجود الحكواتي بشكل مباشر أمام التلاميذ لا يمكن مقارنته بقراءة قصة من كتاب”.
ويوضح الفرق الجوهري قائلاً: “عندما أحكي القصة، يدخل الطفل معي إلى عالمها ويعيش تفاصيلها. هذا هو التأثير الحقيقي الذي نفتقده”. ثم طرح سؤاله الوجودي الذي يلخص أزمته وأزمة زملائه من الحكواتيين: “تخيلوا أن في رأسي 1200 حكاية، لا قدر الله وتوفيت، لمن ستذهب؟ على المعنيين أن يعتنوا بالحكواتيين قبل فوات الأوان”.
ولم يكتفِ بوعر بالتنظير، بل قدم في رواقه بالمعرض نموذجاً عملياً لما يدعو إليه. فقد ابتكر “رواق الحكاية”، وهو فضاء فريد يقوم فيه باختيار منتج حرفي من أحد الأروقة المشاركة، وينسج حوله حكاية من التراث، ثم يأخذ الأطفال في جولة للقاء الصانع الذي أبدع المنتج، ليخلق بذلك جسراً حياً بين القصة وصانعها، ويرسخ في عقول الناشئة قيمة التراث المادي واللامادي معاً.
وكدليل على قوة الحكاية في نقل القيم، روى باختصار قصة مؤثرة عن ابن سافر للحج تاركاً أمه في رعاية زوجته التي غدرت بها وحبستها حتى تغيرت هيئتها. وعند عودة الابن، شاءت الأقدار أن يتعرف على صوت أمه الحزين وهي تغني مأساتها، ليكشف الحقيقة ويعيد لأمه كرامتها. ويختم بوعر: “هذه رسالة للوليدات لكي يبرّوا بوالديهم”.