داخل أسرة مغربية بسيطة، نشأ الطفل آدم غيادي، ذو الاثني عشر عامًا، على شغف مبكر بعالم التكنولوجيا والمعلوميات. تجربة آدم، كما يرويها والده ربيع غيادي، تكشف عن مسار استثنائي لطفل لم يتلق أي توجيه أكاديمي خارج المدرسة في بداياته، لكنه أبان منذ الصغر عن ولع فطري بالحاسوب والبرمجة، جعله يتقدم خطوات ثابتة نحو فضاءات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.
في حديثه لـ”فبراير”، يوضح الأب أن بدايات آدم تعود إلى ملاحظته اهتمام ابنه بحاسوبه الخاص، حيث كان الطفل يستغل غياب والده ليستعمل الجهاز، بدافع الفضول ومحاولة تقليد ما يتلقاه داخل القسم في مادة الإعلاميات.
هذا التفاعل الذاتي دفع الأب إلى منحه حاسوبًا خاصًا به لتمكينه من التمرن بشكل آمن وهادئ، فكانت تلك نقطة التحول الأولى في علاقة الطفل بالتكنولوجيا.
ولم تمر التجربة دون تعزيز وتوجيه. يقول الأب إن تسجيل ابنه في مركز “سمارت ستيم” كان بمثابة خطوة حاسمة، حيث وُضع الطفل وسط بيئة تعليمية تفاعلية تضم مدرّسين متخصصين في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما مكنه من تطوير مهاراته بسرعة لافتة.
ويضيف أن تتويج ابنه ضمن أفضل التلاميذ في المركز، من خلال حفل خاص وتكريم رسمي على الموقع الإلكتروني للمؤسسة، لم يكن سوى ثمرة مجهود مشترك بين الأسرة والمربين.
آدم، بدوره، عبّر عن سعادته الغامرة بهذه التجربة، مشيرًا إلى أن أولى خطواته في مجال البرمجة انطلقت من حصة بسيطة في الإعلاميات، قبل أن يقنع والده بتسجيله في أنشطة موازية. ويشرح كيف تمكن رفقة زملائه من تصميم مجسمات تفاعلية تُوظف كاميرات وسكانرات وأوامر برمجية لخدمة أغراض إنقاذية، مثل استشعار الحرائق أو المساعدة في تحديد مواقع الأشخاص داخل المباني.
لكن والد آدم يلفت إلى أن الشغف وحده لا يكفي، مؤكدًا أن التوازن بين الممارسة الرقمية والحياة اليومية ضروري. ويعطي مثالًا صريحًا عن مدى تعلق ابنه بالحاسوب إلى درجة نسيان تناول الطعام، ما استدعى تدخلًا أسريًا لضبط الإيقاع بين التعلم والراحة. ويؤكد أن دور الأسرة لا يقتصر على التشجيع فقط، بل يتطلب أيضًا تأطيرًا ومرافقة نفسية، حتى لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى عزلة أو إدمان.
وفي حديثه عن المستقبل، أعرب الأب عن أمله في أن يُتاح لابنه فرصة المشاركة في التحدي الدولي المزمع تنظيمه بروما العام المقبل، بعد أن حصل على ميدالية في نسخة هذه السنة. ويشدد على ضرورة وجود دعم مؤسساتي لهذه المواهب الصاعدة، بالنظر إلى التكاليف الباهظة المرتبطة بالمشاركة في مثل هذه المسابقات الدولية، موجهًا نداء ضمنيًا إلى الجهات المعنية من أجل الالتفات إلى هذه الفئة من الأطفال باعتبارهم “خلف الوطن في ميادين التكنولوجيا”.
في المقابل، لا يُخفي الأب تخوفه من أثر “النجومية المفاجئة” على شخصية الطفل، مشيرًا إلى أن بعض الأسر قد تنبهر بالإنجازات الظرفية وتغفل عن استمرارية التأطير، لكنه يعوّل على شخصية آدم المتزنة، التي لا تزال، حسب تعبيره، “عفوية ومتحفظة”، وعلى دور الأساتذة والأسرة في إبقاء الطفل على سكة الاجتهاد والانضباط.
تجربة الطفل آدم غيادي تقدم نموذجًا ملهمًا لجيل جديد من التلاميذ المغاربة، ممن يثبتون أن الاستثمار المبكر في الكفاءات الرقمية، داخل فضاءات تربوية محفّزة، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتقدم، شريطة أن يُرفق بدعم أسري وتربوي ومجتمعي مستدام.