قالت فاطنة أفيد في حوار خاص مع فبراير إن حضور النساء غالبًا ما يكون صوريًا، ويدور في فلك التوجيه الحزبي، دون أي مبادرة ذاتية أو قدرة على طرح قضايا النساء بعمق في جدول أعمال المجالس أو ميزانياتها.
بل أكدت، بمرارة، أن بعض النساء في المناطق الهامشية ما زلن يُنقلن في “المحمل” للولادة، في مشهد يلخص الفجوة الصارخة بين الخطاب المؤسساتي حول النوع والواقع الاجتماعي المعيش.
وفي نقد مباشر لمقاربة الدولة، شدّدت أفيد على أن الميزانيات المخصصة للنوع الاجتماعي غالبًا ما تكون صورية، يُدرج بندها في وثائق الميزانية كعنصر تجميلي، بينما تظل اعتماداتها المالية هزيلة، بل وتُستعمل في برامج لا علاقة لها فعلًا بقضايا النساء. وهو ما اعتبرته دليلاً على غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتغيير الواقع، وترسيخ عدالة جندرية تستند إلى سياسات ترابية عميقة ومنسجمة مع الدستور.
قالت فاطنة أفيد، إحدى القيادات النسائية البارزة في العمل النقابي، إن تمثيلية النساء داخل الهياكل النقابية لا تزال محدودة بشكل كبير، وإن هذا الوضع لا يُعزى فقط إلى بنيات النقابات، بل يعكس، في العمق، التكوين الثقافي السائد والواقع الاجتماعي والسياسي العام في البلاد. وأضافت، في حوار مع موقع “فبراير”، أن العقلية الذكورية ما تزال متجذرة حتى في الأوساط التي يُفترض أنها حاملة لمشاريع التغيير، معتبرة أن “الواقع النقابي ليس معزولًا عن المجتمع، بل هو مرآة له”.
وتوقفت أفيد عند حجم المفارقة بين الوزن العددي للنساء في القطاعات الشغيلة، خاصة في مجالات التعليم والصحة، وبين تمثيليتهن في الأجهزة القيادية، مبرزة أن الكثير من النقابيين ما يزالون ينظرون بريبة إلى تولي المرأة مسؤوليات قيادية، بل ويُردد بعضهم – صراحة أو ضمنًا – عبارات مثل “كيف يعقل أن تكون امرأة كاتبة عامة ونحن رجال؟”، وهي نفس الذهنية التي يتم ترويجها أيضًا في بعض أوساط العمل السياسي، مما يطرح أسئلة عميقة حول المعوقات الثقافية والمؤسساتية أمام التمكين الحقيقي للنساء.
وشددت أفيد على أن هذا التفاوت لا يجب تحميل النقابة وحدها مسؤوليته، معتبرة أن غياب المساواة داخلها هو نتيجة مباشرة لمنظومة اجتماعية تنتج اللاعدالة بين الجنسين وتعيد إنتاجها داخل مختلف البنيات، ومنها النقابات ذاتها. وأشارت إلى أن النقابية ليست فضاءً طوباويًا مستقلًا، بل هي امتداد لما يعرفه المجتمع من تفاوتات وتمثلات، مؤكدة أن النساء المنخرطات أنفسهن يعانين من التردد في تحمل المسؤوليات النقابية بسبب تراكم الأعباء الاجتماعية والمهنية، وهو ما يتطلب، بحسب تعبيرها، “سياسات عمومية مندمجة، لا تكتفي بالمطالبة بتمكين النساء، بل توفر لهن أيضًا شروط التمكين، من خلال إعادة توزيع الأدوار داخل الأسرة، وتحميل الدولة مسؤولية إدماج هذا التصور في التربية والتعليم”.
وأبرزت القيادية النقابية، التي راكمت تجربة طويلة في العمل الميداني، أن هناك تطورًا ملحوظًا في حضور النساء داخل بعض النقابات، وأشارت إلى أن الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تضم اليوم ست كاتبات وطنيات في قطاعات مختلفة، لا سيما في القطاعات الهشة كالتجهيز والتعليم الأولي والثقافة، وهو ما يعكس، في نظرها، دينامية جديدة ينبغي دعمها وتأطيرها.
ورغم هذا التحول، سجلت المتحدثة وجود ضعف كبير في التنسيق بين النقابات والحركة النسائية، معتبرة أن هذا الانفصال يحدّ من نجاعة النضال النسائي، ويدفع العديد من النساء إلى اللجوء إلى الجمعيات في قضايا التحرش والعنف بدل التوجه إلى الإطارات النقابية التي يُفترض أن تمثلهن وتدافع عن حقوقهن داخل فضاءات العمل. ودعت أفيد إلى إنشاء خلايا استماع داخل النقابات للنساء العاملات، وإرساء آليات مستدامة للتنسيق مع المجتمع المدني النسائي، بما يسمح بتكامل الأدوار وتحقيق ترافع أكثر تأثيرًا في الملفات المرتبطة بالنوع الاجتماعي.
وفي معرض حديثها عن الحوار الاجتماعي، اعتبرت أفيد أن حضور النساء في لجان التفاوض ما يزال محتشما، رغم الإمكانيات التي يمكن أن يوفّرنها على مستوى الترافع والتواصل، مشيرة إلى أن الحكومة تتعامل مع مخرجات الحوار الاجتماعي بمنطق الالتزام الشكلي، دون تفعيل فعلي للاتفاقات، وهو ما يطرح أسئلة حول جدية هذا الحوار وجدواه في ظل تنامي التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها الطبقة العاملة.
وختمت أفيد بالتأكيد على أن النساء يشكلن قوة أساسية في الجسم النقابي، وأنهن قادرات على تغيير موازين القوى داخل الهياكل، لكن ذلك رهين بتغيير النظرة التقليدية لدور المرأة، وتبني مقاربة منصفة تنطلق من البيت وتترسخ عبر المدرسة، وتُترجم في السياسات العمومية. وشددت على أن النساء لا يطلبن منّة أو استثناء، بل يسعين إلى عدالة تمثيلية حقيقية تجعل من العمل النقابي رافعة فعلية للديمقراطية والمساواة والكرامة.