وهبي: كرهت وبنعيسى القطار الذي لا يتوقف في أصيلا وآفتنا في المغرب النسيان
في لحظات الفراق الأبدي، تتحول الكلمات إلى صرخات وجع، والذكريات إلى معازف حزن. وحين يرحل المبدعون الذين تركوا بصماتهم على جبين الثقافة والأدب، تصبح المدن التي أحبوها شاهدة على غيابهم، ناطقة بحضورهم الأبدي.
في هذا النص الرثائي المؤثر، يخاطب عبد اللطيف وهبي روح صديقه الراحل محمد بنعيسى، في حوار مفتوح مع الغياب، ممزوج بالحنين والألم والذكريات. إنها رسالة إلى من تحدى الطبيعة بموته، تاركاً مدينة أصيلة يتيمة بين أحضان البحر وعنف القطار الذي لا يتوقف.
يتجاوز هذا النص حدود الرثاء التقليدي، ليصبح تأملاً عميقاً في معنى الصداقة والفقد، وفي علاقة المبدع بمدينته، وفي كيف تصبح الأمكنة ذاكرة حية للأشخاص الذين أحبوها. من خلال استحضار صورة أصيلة كمدينة ثقافية متألقة، يرسم الكاتب لوحة شعرية مكتملة العناصر: البحر والقطار والمدينة والذكريات.
وهذا مضمون النص:
إلى روح الصديق محمد بنعيسى
صديقي بنعيسى:
ها أنت تتحدى فينا الطبيعة، لأول مرة دون عادتك تخلف الموعد، ترحل وتترك أصيلة وراءك، لا من يغازلها ولا حتى من يعاتبها، وحدها تصارع البحر الذي يتمدد،وذلك القطارالغبي الذي يمر بسرعة غير عابئ، حين كنت تعاتبني على بخل زيارتي لك في أصيلة، كنت تشتم هذا القطار الذي يسير بسرعة دون أن يتوقف بها، ومن سخرية القدر أن يسير بسرعة ومدينة أصيلة ببطئ شديد، ثم رحلت وتركتأصيلة من وراءها البحر وأمامها القطار، كأن من حظها المعاناة،على الأقل كانت بين أحضانك تشعر بالآمان، والآن هي بين مخالب البحر وسرعة القطار، إنهامثلي تشعر بالاختناق.
صديقي بنعيسى:
حين كنا نجلس معا بالشرفة المطلة على الحديقة ببيتك، نتحدث في السياسة وعن الناس،في الماضي وعن المستقبل، في كثير من الأحيان كنا ننسى الحاضر لأنه يتعبنا ويستفزنا، كنت مسيحيا في السياسة،)من ضربك على خدك الأيمن فأذر له خدك الأيسر) هادئا في صخب البرلمان، تتأمل دون أن تتحدث، وحينما ترغب في الكلام تأخذني من يدي بعيدا وتمطرني بالأسئلة، في كثير من الأحيان لا أجد لها جوابا، حاضرنا مر ومعقد، وماضيك جميل وأفضل، ومستقبلنا لاندركه حتى في الحلم، كثير من الأشياء تغيرت وتنكرت لنا،كالذين كنت تحتقرهم عندما تنكروا لمحيطهم،أتعلم يا صديقي: لقد أصبحوا الآن يتنكرون للموت، وما الموت إلا امتداد للحياة، وهم يريدون أن يختزلوا العيش في الحياة حتى ولو بصداقات مزيفة.
صديقي بنعيسى:
الدبلوماسية شيء جميل، تحاور الناس دون أن تعطيهم شيئ،تبتسم لهم دون أن تعدهم، تغازلهم دون أن تعشقهم، أما العدالة فهي ذلك الوهم الذي نصنع له صرحا ليبدو لنا مثل القمر من بعيد دون أن نلمسه، كنت أشتكي لك من العدل، وأنت تشتكي لي من الثقافة، وما العدالة إلا ثقافة، وما الثقافة إلا إنصاف عادل لمدينة تركتها يتيمة، يتربص بها البحر ويغتالها القطار، آه كم كرهنا نحن الاثنين هذا القطار الذي لايتوقف بهذه المدينة،يمر بها كسطوةجبار غير خائف من الموت، وحتى هذا البحر يتحين الفرصة لينقظ علىمدينتك أصيلة،وهذه الأخيرة لاتعشق غيرك، تنهار بين أحضانك،ثم تبتسم للحظاتك فتثير غيرة البحر والقطار.
صديقي بنعيسى:
قد نحتاج إلى كثير من الوقت لكي نفهم أنزمانك في الشعر والأدب قد ولى، وأن قلوبنا قد تفسخت بضغط الزمن وهيمنة الجهل وسيطرت لغة الفشل، لذلك لابد أن يقف هذا القطار يوما ما في أصيلة، ولابد أن يعيش هذا البحر ذلك الجزر الذي يسحبه إلى الوراء، لابد للثقافة أن تعلو من مرقدك لتزكي برائحة الورد هذه المدينةالمتغنجة على البحر.
صديقي بنعيسى:
مأساتي أن القطار لايتوقف بأصيلة،فيحرمني فرصة التأمل فيتلابيب طيفك بهذه المدينة كلما تشردت بين الرباط وطنجة.
فخوفي من النسيان، وآفتنا في هذا البلد هي النسيان، نفر من سطوة بحر الجهل إلى مدينة الثقافة،إلى أصيلة بنعيسى، لن أفصلك عن أصيلة وأنا أجدك في تفاصيل الرسم والشعر والأدب والسياسة، في جدرانها، في الريشة التي بين أنامل أطفالها، في كل مرة تحاورها في موضوع حتى أتعبتها، وأرهقت من يأتي إليها من الشرق أوالغرب، يقولون فيما بينهم سنذهب إلى بنعيسى، والآن سيقولون سنذهب إلى أصيلة اليتيمة،لذلك على أصيلة أن تنجب مسيحا آخرا يتعبد بعشق أصيلة الثقافة، وينتصر عن السياسة، ويبكي على قبرك، فالمدينة عانقتك حيا واحتضنتك ميتا،فسلام على مدينة احتضنت أعز ما تملك.
صديقي بنعيسى:
لاأستطيع أن أودعك لأني أصادقفيك أصيلة، ولا أستطيع أن أنساك لأنها تذكرني بك،ولا أستطيع أن أواجه الموت لأنني في كثير من الأحيان أشتاق إليه لعله ينقذني كما أنقذ مهرجانك أصيلة من ذلك البحر وعنف القطار، فاترك القطار والبحر يموتونعلى صليب الانتظار.