شددت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، على أهمية ترسيخ التقييم المؤسسي للسياسات العمومية كأداة مركزية لتقوية الحكامة وتحقيق التنمية المستدامة في إفريقيا، مؤكدة أن المستقبل التنموي للقارة مرتبط بقدرة المؤسسات على إنتاج تقييمات دقيقة، تقيس أثر السياسات العمومية ولا تكتفي بتتبع تنفيذها.
وجاءت مداخلة العدوي خلال الجلسة الافتتاحية للجمعية العامة السنوية العاشرة لشبكة البرلمانيين الأفارقة لتقييم التنمية، المنعقدة بمدينة العيون، والتي عرفت نقاشًا واسعًا حول تحديات التقييم ورهاناته في السياقات الإفريقية.
وأبرزت العدوي أن مستقبل الأجندات التنموية مرتبط بتعزيز الثقة في حكامة المؤسسات، وصوابية الاختيارات العمومية، ونجاعة السياسات الشمولية والعادلة والدامجة القادرة على إحداث أثر مستدام في حياة المواطنين. واعتبرت أن القيام بهذه المهمة مسؤولية مشتركة، تستوجب مشاركة متناسقة بين الفاعلين في مسارات الرقابة والتقييم، بما يضمن التكامل بين الأدوار المؤسساتية.
وأكدت المتحدثة أن فعالية التقييم ترتبط بتحقق “شروط قبلية” يجب توفرها قبل مباشرة أي عملية تقييمية، مشيرة إلى أن “ليست كل السياسات قابلة للتقييم، وليست كل التقييمات قابلة للنشر”، وهو ما يستلزم، حسب قولها، تحسين بيئة التقييم ورفع مستوى نضج الممارسات المؤسساتية.
وفي استعراضها للمجالات التي ينبغي أن تحظى بالأولوية في التقييم داخل البلدان الإفريقية، توقفت العدوي عند قضايا الاستشرافات المالية واستدامة تحمل الدين، مؤكدة أن مؤشرات المديونية ومخاطر السيولة والملاءة والمخاطر الهيكلية لا تزال مرتفعة، مما يجعل تقييم قدرة الدول على إدارة مواردها المالية أولوية قصوى. كما شددت على أهمية تقييم السياسات البيئية، وخاصة ما يتعلق بمحاربة الآثار المتسارعة للتغير المناخي والتكيف معها، إضافة إلى تقييم فعالية الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مجالات المناخ والانتقال الطاقي.
ولم تغفل العدوي التحديات المرتبطة بتوازن النفقات والإيرادات داخل القطاع العام، معتبرة أن تعزيز القدرة على تعبئة الموارد المحلية واستكشاف موارد مبتكرة ضرورة ملحة، إلى جانب تطوير إمكانات الاقتصاد الأزرق والرقمي والمالي الأخضر.
وتطرقت العدوي إلى تطور التعاون بين المجلس الأعلى للحسابات والسلطة التشريعية، منذ دستور 2011 الذي عزز مبدأ التعاون بين السلط، مشيرة إلى أن التعديل الذي طال القانون المنظم للمجلس سنة 2016 شكّل تحولًا نوعيًا في توسيع نطاق التعاون مع البرلمان.
وكشفت في هذا الإطار أن المجلس تلقى منذ 2013 ما مجموعه 14 طلب استشارة حول قضايا استراتيجية تتعلق بمنظومة المقاصة، والتقاعد، وصناديق الدعم، وبرامج التنمية القروية، ومحاربة الأمية، وتشغيل الشباب، وغيرها من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت العدوي أن المجلس يحرص خلال أداء مهامه على ترسيخ تعاون فعال مع البرلمان، وضمان تكامل الأدوار الرقابية، والحفاظ على استقلالية المجلس وحياده، وتطوير كفاءاته وخبراته وفق المعايير الدولية. كما شددت على ضرورة تبسيط التقارير الرقابية وتيسير قراءتها أمام كل الفاعلين، لتعزيز الحكامة والشفافية والمساءلة.
ووقفت العدوي عند التحولات الكبرى التي يشهدها مجال التقييم في ظل الثورة الرقمية، مؤكدة أن البيانات الضخمة وسلاسل الكتل ستسهم في حل إشكالات توفر البيانات وجودتها، وأن الذكاء الاصطناعي سيساعد في بناء نماذج تقييم أكثر تعقيدًا.
لكنها نبهت إلى الحاجة لإعادة تعريف العلاقة بين التقييم والتنمية، وبين الكفاءة والاستدامة، معتبرة أن التقييم في هذا العصر يجب أن يجمع بين المهنية والرصانة والأخلاق والموثوقية.
وختمت العدوي بالتأكيد على أن الارتقاء بالتقييم يتطلب تطوير المهارات والكفاءات القادرة على مواكبة أهداف التنمية، معتبرة أن الجودة في هذا المجال تظل رافعة أساسية لتجويد القرار العمومي وإحداث القيمة المضافة لصالح المواطن والدولة.