حضر الممثل المغربي عمر لطفي إلى مهرجان مراكش الدولي للفيلم هذه السنة وهو يحمل معه تجربة خاصة، تعيده فنيا إلى واحد من أهم الأسماء التي بصمت مساره السينمائي، إذ يشارك في هذه الدورة بفيلم جديد للمخرج نور الدين الخماري، بعد غياب عن العمل معه دام حوالي ثلاث عشرة سنة منذ تجربة “كازانكرا”.

ويصف لطفي هذه العودة بأنها لحظة مهنية مميزة، لأنها تأتي عبر دور مختلف جذريا عن كل الأدوار التي سبق أن جسدها في مسيرته.

يوضح عمر لطفي أن مشاركته في الفيلم الجديد لنور الدين الخماري كانت بمثابة تحدّ فني حقيقي، ليس فقط لأن العمل يعرض ضمن بانوراما مهرجان مراكش، بل لأن الشخصية التي يجسدها بعيدة تماماً عن صورة الشاب الحضري التي ارتبط بها لدى الجمهور.

يقول إن دوره هذه المرة يتمحور حول شخصية “زعطوط”، رجل يعيش في الغابة، منعزل عن الحياة الحديثة، مقطوع الصلة بالتكنولوجيا ومظاهر التطور اليومي، يحمل جراح طفولة صعبة تنعكس في سلوكياته واضطراباته النفسية.

يرى لطفي أن قوة هذا الدور تكمن في كونه شخصية “مظلمة” من حيث البناء الدرامي، لكنها في العمق ضحية تنشئة اجتماعية قاسية، أكثر منها مجرد شخصية شريرة. فزعطوط، كما يصفه، إنسان مختل عقليا إلى حد ما، يعيش في الغابة ويعتاش من الصيد، يأكل الفراخ ويقوم بأفعال تبدو صادمة، لكنها متصلة بماضيه وما عاشه من صدمات. هذا التعقيد يجعل المتلقي في حيرة، لا يعرف إن كان عليه أن يتعاطف معه أم أن يقف ضده، وهو ما يعتبره الممثل من أجمل ما يمكن أن تمنحه السينما من شعور.

ويؤكد أن طريقة الاشتغال على هذا العمل كانت مختلفة منذ البداية، على غرار ما كان يميز تجربة “كازانكرا” مع نور الدين الخماري، الذي يحرص دائما على منح الوقت الكافي لبناء الشخصيات ومعايشة فضاءات التصوير. يسترجع لطفي كيف قضوا أسابيع في الأحياء الشعبية بحثا عن تفاصيل الشخصيات والديكورات، أما في الفيلم الجديد فقد كان الرهان هو الانغماس في الطبيعة، لأن الشخصية تنتمي بالكامل إلى فضاء الغابة.

يقول عمر لطفي إن حبه القديم للطبيعة والحيوانات ساعده كثيرا على دخول هذا العالم، فترعرعه بين المدينة والبلاد وارتباطه بالجبال والغابات منذ الصغر جعله أقرب إلى هذا النوع من الأدوار. غير أن التجربة حملت له أيضا بعض المواقف الخاصة، مثل الليلة الأولى التي قضى فيها الليل داخل الغابة خلال التحضير للشخصية، حيث وجد نفسه أمام “غارات” القرود في ضواحي إفران، والتي كانت تهاجمه في الصباح بحكم غريزتها الدفاعية، بينما لم يكن هو يشعر بالخوف من الغابة بقدر ما كان حذرا من هذه الحيوانات الفضولية.

ويستعيد لطفي حلمه القديم بالانتقال إلى عالم الإنتاج منذ أيام المسرح، حين كان يتكفل رفقة زملائه بكل تفاصيل العروض، من إعداد الطعام إلى تنظيم الفرقة. يعتبر أن عمله اليوم كمنتج امتداد طبيعي لذلك الشغف، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن الطريق نحو إنتاج الأعمال التي يحلم بها يمر عبر بناء شركة قوية قادرة على الصمود اقتصاديا، قبل المغامرة بأفلام فنية خالصة قد لا تسترجع تكاليفها في شباك التذاكر.

يتوقف عند تجربته في فيلم “البطل” ثم “كازاكيرا”، موضحاً أن هذه الأفلام، وإن كانت تصنف ضمن الأعمال الخفيفة أو التجارية، فإنها بالنسبة إليه جزء من “مدرسة السينما المغربية”، حيث يتعلم الممثل والتقني والمنتج من قلب الصعوبات والأخطاء. يقول إن الفيلم الأجنبي يمنح تجربة مهنية منضبطة، لكن كل شيء يكون جاهزاً، أما في الفيلم المغربي فالجميع يرى المشاكل أمامه، ويتعلم من طريقة حلها، من غياب الكرافانات إلى شح الوسائل التقنية، الشيء الذي يخلق خبرة عملية حقيقية.

وعن اختياره للفنان إلياس المالكي للمشاركة في “كازاكيرا”، يوضح عمر لطفي أن المسألة لا تتعلق بإسناد بطولة مطلقة، بل بحضور مكثف في لحظة محددة من الفيلم، لا تتجاوز ثلاث دقائق ضمن عمل يمتد لأكثر من ساعة وأربعين دقيقة. الفكرة بالنسبة إليه كانت مرتبطة أساسا بالتسويق الذكي للفيلم، ومحاولة جذب جزء من الجمهور الشاب الذي يعيش في الهواتف والشبكات الاجتماعية إلى قاعات السينما. يرى أن وجود شخصية مثيرة للجدل ومتابَعة رقميا، مثل إلياس المالكي، يمكن أن يثير الفضول ويجرّ بعض المتابعين من العالم الافتراضي إلى العالم الحقيقي للفيلم.

ويعتبر لطفي أن الانتقادات التي رافقت هذا الاختيار لم تكن سلبية في جوهرها، بل ساهمت في خلق نقاش حول العمل، وفي توسيع دائرة الاهتمام به، مشيرا إلى أن التسويق في السينما ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو جزء أساسي من بناء أي مشروع سينمائي. يشدد على أن المنتج الذي لا يملك رفاهية التمويل الوفير مضطر إلى التفكير ملياً في كيفية تسويق فيلمه، وعدم الاكتفاء بصنع عمل جميل من الناحية الفنية دون أن يجد طريقه إلى الجمهور.

يتحدث الممثل أيضاً عن طبيعة المشهد السينمائي المغربي اليوم، ملاحظا أن الأفلام الكوميدية والتجارية حققت حضوراً قوياً في القاعات لأنها تلبي رغبة جمهور واسع في قصص واضحة ببداية ونهاية، بينما تبقى الأفلام الروائية ذات الطابع الفني العميق موجهة أكثر إلى جمهور محدود. يرى أن الحل لا يكمن في إلغاء نوع لصالح آخر، بل في بناء توازن تدريجي يمكّن من “تربية” الجمهور على أعمال أكثر تعقيداً، انطلاقاً من أفلام تجمع بين البعد الروائي والتشويق والكوميديا.

ويشرح أن الكوميديا في العالم ليست مجرد ترف، بل أداة قوية للتواصل مع الجمهور وتسويق المنتجات والأفكار، لذلك فإن حضورها في السينما المغربية ضروري، على أن تتحول تدريجياً إلى جسر نحو أفلام أكثر غنى على مستوى البناء الدرامي. ويرى أن محاولة فرض سينما نخبوية بالكامل على الجمهور قد تؤدي إلى إغلاق القاعات بدل إنعاشها، بينما المطلوب هو أن تظل هذه القاعات مفتوحة من خلال أعمال تجارية ناجحة، تتيح في الوقت نفسه إنتاج أفلام خاصة أكثر طموحاً.

وعن مشاريعه المقبلة، يكشف عمر لطفي أنه يحمل في جعبته منذ سنوات سيناريو لفيلم أمازيغي كتبه بنفسه، لكنه فضل تأجيله إلى حين استقرار شركته الإنتاجية وقدرتها على تمويل عمل من هذا النوع، حتى لا يتحول إلى مغامرة قد تهدد استمراريتها. يشير إلى أنه بدأ مساره في الإخراج بفيلم وثائقي حول الثقافة الأمازيغية، ثم انتقل إلى إنتاج “البطل” و”كازاكيرا”، وأن الفيلم الرابع الذي يحضّر له حالياً يظل عزيزاً عليه إلى درجة أنه يفضّل عدم كشف تفاصيله الآن.

ورغم انخراطه المتزايد في عالم الإنتاج، يؤكد لطفي أن التمثيل ما يزال في صلب هويته الفنية، وأنه لا ينوي التراجع عنه، بل يبحث عن توازن بين الحقلين. يوضح أنه اضطر للاعتذار عن ثلاثة مسلسلات في ظرف واحد، بسبب تزامنها مع مرحلة حساسة من توزيع فيلمه في القاعات، لكنه يلمح إلى مشروع تلفزيوني جديد قد يرى النور قريباً، معبراً عن رغبته في العودة إلى الشاشة الصغيرة التي يفتقده الجمهور من خلالها.

وبنبرة صريحة يعترف أنه يرتاح أكثر في السينما، لأنها كانت بوابته الأولى إلى المجال، ومن خلالها عمل مع مخرجين وثقوا في موهبته منذ بداياته. غير أنه في الوقت نفسه يقدّر تأثير التلفزيون في الوصول إلى جمهور واسع داخل البيوت، ما يجعله حريصاً على اختيار الأعمال التي يطل من خلالها، حتى لا تتحول كثرة الحضور إلى استهلاك لصورة الممثل بدل تعزيزها.

وعن حياته الخاصة، يظهر عمر لطفي على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة إنسانية قريبة من الناس، تجمعه في الغالب بلحظات عائلية مع والدته وابنته مجدة. يوضح أن إشراك العائلة في بعض المواد البسيطة لا يعني بالضرورة دفعها إلى الأضواء الفنية، مؤكداً أن والدته شاركت معه فقط في الفيلم الوثائقي حول الثقافة الأمازيغية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الحكاية، أما ابنته فقد خاضت تجربة قصيرة في فيلم قصير، دون أن تبدي إلى الآن رغبة حقيقية في الاحتراف.

ويختم بالقول إن ما يهمه، اليوم، هو أن يواصل مساره في السينما المغربية بخطوات محسوبة، تجمع بين شغف التمثيل ووعي المنتج، وأن يظل قريباً من الجمهور الذي منحه فرصة أن يتحول من “ابن الليسي والمسرح” إلى اسم حاضر في القاعات والشاشات، مستحضراً دائماً أن كل فيلم جديد هو درس إضافي في مدرسة مستمرة اسمها السينما.

السمات ذات صلة

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store