تحولت مدينة العيون، عاصمة الأقاليم الجنوبية للمملكة، إلى فضاء للنقاش الاستراتيجي حول دور السلطة الرابعة في مواكبة التحولات الجيوسياسية الكبرى، وذلك خلال فعاليات الدورة الثالثة لـ”ملتقى العيون للصحافة”، الذي نظمه نادي الصحراء للصحافة والتواصل مساء الأربعاء.
وجمع الملتقى ثلة من الإعلاميين والخبراء والأكاديميين من المغرب والعالم العربي وإفريقيا، تحت شعار “الصحافة في خدمة القضية الوطنية.. رؤية مشتركة”، حيث أجمع المشاركون على أن الإعلام الوطني لم يعد مجرد “ناقل للخبر”، بل أصبح فاعلاً محورياً في معركة الدفاع عن السيادة وتنزيل مقترح الحكم الذاتي.
في مداخلته، رسم عبد الله البقالي، نائب رئيس اتحاد الصحافيين العرب، صورة شاملة للمشهد الإعلامي في علاقته بالقضية الوطنية. واعتبر البقالي أن المغرب، بصعوده كقوة إقليمية واقتصادية، يواجه “مقاومة شرسة” من قوى لا تقبل بنفوذه المتنامي، مما يجعل النزاع المفتعل حول الصحراء جزءاً من هذا الصراع الجيوسياسي.

وشدد مدير نشر صحيفة “العلم” على أن الإعلام الوطني مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانخراط في صلب “معركة السيادة”، ومواجهة “منظومة العداء المتكاملة” التي تستهدف المملكة عبر الأخبار الزائفة والبروباغاندا، معتبراً أن المرحلة المقبلة (تنزيل الحكم الذاتي) تتطلب احترافية عالية وخطاباً يعزز الثقة في المؤسسات.
من زاوية التحليل السياسي والدبلوماسي، قدم إبراهيم بلالي اسويح، عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، قراءة في دلالات القرار الأممي رقم 2797، واصفاً إياه بـ”المنعطف الحاسم” الذي يقطع مع الماضي ويكرس المبادرة المغربية كـ”أساس وحيد” للتفاوض.
وأكد اسويح أن المغرب يوجد اليوم في “موقع تفاوضي مريح” بفضل الزخم الدولي والحياد الإيجابي للقوى العظمى (روسيا والصين) والدعم الأمريكي الصريح. وكشف المتحدث أن النسخة “المحينة” من مبادرة الحكم الذاتي ستأخذ بعين الاعتبار التحولات التنموية والمؤسساتية التي شهدتها المملكة (الجهوية المتقدمة)، وستراعي ثلاثة فصول أساسية: التسوية التوافقية، العلاقة بين المركز والجهة، ومسار التنفيذ.

ولم يخلُ الملتقى من لحظات “نقد ذاتي” صريحة، حيث وجه الصحافي أنس مزور انتقادات لأداء الإعلام العمومي، معتبراً أنه لا يزال “رسمياً” أكثر منه “عمومياً”، وبعيداً عن انشغالات المواطن اليومية.
وربط مزور بين التحديات الإعلامية ومسار “العدالة الانتقالية”، داعياً إلى استلهام دروس تجربة “الإنصاف والمصالحة” في التعامل مع القضايا الحقوقية والإنسانية المرتبطة بملف الصحراء، لا سيما عند استقبال العائدين من مخيمات تندوف مستقبلاً.
وخلصت توصيات الملتقى إلى ضرورة “ملاءمة” الخطاب الإعلامي مع متطلبات المرحلة الجديدة، التي تتجاوز الدفاع التقليدي إلى “صناعة الرأي العام” وتثقيفه، ليكون شريكاً واعياً في بناء مغرب الغد القائم على الوحدة والديمقراطية والتنمية.