“دستور الصحراء الشفهي”.. كيف تحكم الأمثال الحسانية مجالس “البيظان” وتفض النزاعات؟
مشهد افتراضي، مشهد يحمل دلالة رمزية، هو ذاك داخل خيمة رحبة، وأمام صينية الشاي التي تدور كؤوسها للمرة الثالثة، يحتدم نقاش حاد بين رجلين حول حدود قطعة أرضية رعوية، ترتفع الأصوات، وتكاد “الجماعة” تفقد سيطرتها على الموقف، قبل أن يتنحنح شيخ سبعيني وقور، ويحسم الأمر بجملة واحدة مقتضبة: “اللي بْغَى الرُّفْگَة يْعَدَّلْ لْهَا سَرْبَالْ” (من يريد الرفقة فليعد لها لباسها/عُدتها).
يسود صمت مطبق، وتهدأ النفوس، وكأن تلك الكلمات القليلة كانت حكما قضائيا غير قابل للاستئناف، هذا المشهد ليس استثناءً، بل هو قانون يومي يحكم حياة المجتمع الصحراوي، حيث الأمثال الشعبية ليست مجرد “فلكلور” لتزجية الوقت، بل هي “دستور شفهي” صارم ينظم العلاقات، السياسة، وفض النزاعات.
يتميز المجتمع الحساني (مجتمع البيظان) بتقديره البالغ للكلمة. فالكلمة هنا ميزان، والشعر وثيقة، والمثل قانون.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد الأمين، الباحث في التراث الحساني والأنثروبولوجيا، في تصريح خاص: “إن المثل الشعبي الحساني يلعب دور السلطة التشريعية والقضائية معاً في المجتمعات التي اعتمدت تاريخياً على الترحال والبداوة. ففي غياب المؤسسات الرسمية الثابتة في الصحراء قديماً، كان لا بد من وجود مرجع أخلاقي وقانوني يحفظه الجميع عن ظهر قلب، وهنا جاء دور المثل”.
ويضيف الباحث: “المثل الحساني يختصر تجربة قرون من التعايش مع قسوة الطبيعة وتقلبات البشر، إنه يضع القواعد للدبلوماسية القبلية، والزواج، والتجارة، وحتى أدبيات الحرب والسلم”.
في مجالس الصلح العرفي، أو ما يعرف محلياً بـ “الجماعة”، يعتبر استحضار المثل المناسب في الوقت المناسب مهارة لا يتقنها إلا “شيوخ الحكمة”.
يقول إبراهيم ولد السالك، أحد سكان مدينة العيون: “عندما تقع مشكلة بين عائلتين، لا نلجأ فوراً إلى لغة القانون الجاف، بل نلجأ إلى لغة الأجداد. المثل الشعبي هو (الماء البارد) الذي يطفئ نار الغضب”.
ويستشهد الشيخ بمثل حساني شهير يُستخدم لفض النزاعات المالية أو الديون المتعسرة: “الدَّيْنْ هَمّْ بِاللَّيْلْ وُذَلّْ بِالنَّهَارْ”، لتذكير المدين بمسؤوليته، أو المثل القائل “الخُوهْ مَا يْتَاعْ” (الأخ لا يُباع)، وذلك لمنع القطيعة بين الأقارب بسبب الخلافات المادية.
ويؤكد ولد السالك: “بمجرد نطق المثل، يشعر الطرف المخطئ بالخجل الاجتماعي، لأن المثل يمثل سلطة المجتمع بأسره، وليس رأي الفرد المتحدث فقط”.
لا يقتصر دور الأمثال على الشأن الاجتماعي، بل يمتد ليكون موجهاً سياسياً وفكرياً. فالمجتمع الصحراوي يقدر الذكاء والحنكة، أو ما يسمى بـ “السياسة”، وتزخر الذاكرة الحسانية بأمثال تدعو للتروي وعدم التهور.
توضح الناشطة الجمعوية، السالكة منت أحمد، أن “الأمثال الحسانية علمتنا الديمقراطية وحرية التعبير قبل أن نقرأ عنها في الكتب”. وتشير إلى المثل القائل: “فَمْ مَايْگُولْ لَا، مَا يْگُولْ مَرْحْبَة” (الفم الذي لا يقول لا، لا يستطيع قول مرحباً)، وهو درس بليغ في ضرورة امتلاك الشخصية القوية والقدرة على الرفض ليكون للقبول معنى.
وتضيف منت أحمد: “المرأة الصحراوية أيضاً تستخدم الأمثال كسلاح ناعم داخل الأسرة والمجتمع، لتوجه الزوج وتربي الأبناء دون صدام مباشر، مستندة إلى مخزون هائل من الحكم المتوارثة”.
رغم سطوة التكنولوجيا وتغير نمط العيش من الخيمة إلى المنزل العصري، لا يزال الجيل الجديد من الشباب الصحراوي يستخدم هذه الأمثال، وإن كان ذلك عبر منصات التواصل الاجتماعي.
يختتم الباحث محمد الأمين حديثه قائلاً: “قد تتغير الملابس وتتطور المباني، لكن العقلية الصحراوية تظل محكومة بمرجعيتها اللغوية. المثل الحساني لا يزال حياً لأنه مرن، ولأنه يحمل قيماً إنسانية كونية بلهجة محلية، مما يجعله الحصن الأخير للهوية في مواجهة العولمة الجارفة”.