الرئيسية / حوارات / قصة الفرنسية التي عشقت "العيدي" وهربت السلاح

قصة الفرنسية التي عشقت "العيدي" وهربت السلاح

لحسن العروسي، العيدي
حوارات
فبراير.كوم 24 يناير 2026 - 12:00
A+ / A-

قصة الفرنسية التي عشقت “العيدي” وهربت السلاح

في زحمة الحاضر وضجيج العصر، قد تنسى ذاكرة المدينة القديمة بالدار البيضاء بعضاً من أسمائها التي صنعت البهجة ذات زمن. لكن اسم “العيدي الودي”، الشاب الأنيق الذي حوّل ساحة “درب السوينية” إلى مسرح مفتوح وتكنة عسكرية من خيال، يظل عصياً على النسيان في وجدان كل من عاصره في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي.

يستذكر أبناء الحي العتيق، لحسن العروسي وهو كاتب ومؤلف، “ساحة درب السوينية، التي استمدت اسمها من سانية”قديمة كان يجرها حمار مغمض العينين ليخرج الماء للساكنة” ولـ”الكرابة”. في هذا الفضاء البسيط، كان يظهر “العيدي الودي” كل سنة مع اقتراب شهر رمضان، ليحول السكون إلى حركة دؤوبة، معلناً عن انطلاق موسم استثنائي من “النشاط” الطفولي.

وضيف المتحدث في حاره مع موقع “فبراير.كوم”، “كان العيدي، الرجل المثقف والأنيق، يمتلك قدرة عجيبة على التنظيم والتأطير. قبل رمضان بأسبوعين، يجمع أطفال الأحياء المجاورة (درب السوينية، درب سعيد، درب الطيور) ويشرع في بناء “تكنة عسكرية” وسط الساحة”.

المواد الأولية كانت بسيطة لكنها في عيون الصغار كانت كافياً لبناء عالم كامل: “الجريد” من النخيل لتسييج الساحة وصناعة البنادق الوهمية، و”الكرتون” السميك لصناعة البزات العسكرية والقبعات والأحزمة. كان العيدي يشرف بنفسه على كل التفاصيل، يعلم الصغار الانضباط، ويقسمهم إلى مجموعات يقودها “قائد”، يدربهم على المشي العسكري والتحية، وعلى الأناشيد الوطنية الحماسية مثل “إليك يا علم” و”نفديك”.

وتابع لعروسي في حديثه الشيق: “مع حلول أول ليالي رمضان، تتحول “التكنة” إلى قلب الحي النابض. عند آذان المغرب، يصطف “الجيش الصغير” لتحية العلم وإنزاله في مشهد مهيب، قبل أن ينصرف الجميع للإفطار، ليبقى حارس واحد يتناول فطوره داخل “القشلة”. وبعد الإفطار، تعود الحياة للساحة بالتدريبات والاستعدادات للحدث الأكبر: مسرحية العيد”.

طيلة الشهر الفضيل، كان العيدي يدرب الأطفال على أدوار مسرحية، ليتم عرضها ليلة العيد أمام حشد غفير من السكان الذين كانوا يحضرون بكراسيهم وحصيرهم، وتضيق بهم الساحة، مستمتعين بإبداعات أبنائهم التي صقلها هذا “المخرج” الفذ.

لم يكن العيدي مجرد مؤطر للأطفال، بل كان فناناً مرهف الحس. يحكي المعاصرون كيف كان يذهب إلى المعهد البلدي بشارع باريس لتعلم الموسيقى، مرتدياً “الكوستيم” بكامل أناقته، وكيف كان يرسل “الكمان” مع ابن أخته خجلاً من نظرة المجتمع آنذاك، التي كانت تربط العزف بـ”الشيوخ”.

لكن القدر كان يخبئ نهاية مأساوية لهذا الشاب الذي أكمل دراسته في باريس وتزوج من فرنسية. فمع اشتداد الأزمة السياسية قبيل الاستقلال وبعده، وفي خضم “تصفية الحسابات” بين الأحزاب السياسية المتصارعة آنذاك، راح العيدي ضحية لتلك المرحلة المضطربة، ليغادر الحياة تاركاً خلفه جيلاً كاملاً تعلم منه حب الوطن، ومعنى الفن، وقيمة الانضباط.

رحل “العيدي الودي”، لكن صدى صيحات الأطفال وهم يهتفون “سير خلف.. يمين.. شمال” لا يزال يتردد في ذاكرة “درب السوينية”، شاهداً على زمن كان فيه الفرح يُصنع من “الجريد” والقلوب الطيبة.

مواقيت الصلاة

الفجر الشروق الظهر
العصر المغرب العشاء

أحوال الطقس

رطوبة :-
ريح :-
-°
18°
20°
الأيام القادمة
الإثنين
الثلاثاء
الأربعاء
الخميس
الجمعة