فجّر انهيار منزل آيل للسقوط بـ”زنقة الشلوح” بالمدينة القديمة في الدار البيضاء، والذي أودى بحياة سيدة وأصاب آخرين، “موجة غضب عارمة” في صفوف الساكنة والمجتمع المدني.
وفي هذا الصدد، وجه الفاعل الجمعوي رضوان بنار انتقادات لاذعة للمسؤولين عن تدبير ملف الدور الآيلة للسقوط، واصفاً ما يقع بـ”العبث” ومطالباً بفتح تحقيق جدي في مآل مشروع تأهيل المدينة العتيقة.
معايير تقنية غامضة وقرارات قاتلة
استهل بنار حديثه بتقديم التعازي لعائلة الضحية التي قضت نحبها تحت الردم، معتبراً إياها “شهيدة”، قبل أن يطرح تساؤلات جوهرية حول المعايير التقنية المعتمدة في تصنيف المنازل. وأشار الفاعل الجمعوي إلى مفارقة صارخة، حيث أن المنزل المنهار كان موضوعاً لقرار “الإصلاح والترميم” وليس “الهدم”، رغم تهالكه الشديد، متسائلاً: “من هي الجهة التي تصدر هذه القرارات؟ وهل تتم بناءً على خبرة تقنية حقيقية أم بالعين المجردة وبشكل عشوائي؟”.
وأكد المتحدث أن العديد من المنازل التي تحتاج إلى الهدم الفوري لخطورتها تُترك لعمليات ترميم سطحية، مما يعرض حياة المواطنين لخطر الموت في أي لحظة، خاصة مع التساقطات المطرية الأخيرة التي زادت من هشاشة هذه البنايات.
مشروع ملكي “تم إقبارك”
وفي سياق حديثه عن المسؤولية، استهجن بنار التعثر الكبير الذي يشهده مشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة، وهو المشروع الذي حظي برعاية ملكية سامية ورصدت له ميزانية ضخمة تتجاوز 90 مليار سنتيم.
وقال بنار بلهجة شديدة: “سيدنا أعطى تعليماته وتصوراً عالمياً للمدينة القديمة، لكننا نرى اليوم أن المشروع قد قُبر”، مشيراً إلى أن الأموال كان يجب أن تُستثمر في تقوية المنازل ودعمها بدل الاكتفاء بوضع دعامات خشبية خارجية لا تغني ولا تسمن من جوع. وأضاف أن الرؤية الملكية كانت تشمل إعادة الإيواء والترميم الجذري، إلا أن الواقع يكشف عن توقف هذه العمليات بشكل مفاجئ، تاركة الساكنة تواجه مصيرها.
مرافق مغلقة وتعمير عشوائي
ولم يقتصر انتقاد الفاعل الجمعوي على المنازل السكنية، بل شمل المرافق العمومية التي دُشنت في إطار المشروع لكنها ظلت موصدة الأبواب. واستشهد بـ”ملتقى الأجيال” و”دار الثقافة”، وهي منشآت صُممت لتكون متنفساً للشباب والنساء وتضم قاعات للرياضة والتكوين، إلا أنها لم تُفتح في وجه الساكنة منذ سنوات، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول الجدوى من بنائها إذا لم تستغل.
وعلى صعيد التعمير، كشف بنار عن اختلالات خطيرة، مشيراً إلى وجود بنايات عشوائية شاهقة (تصل إلى 6 طوابق) وسط النسيج العتيق الذي لا يُسمح فيه عادة بتجاوز طابقين حفاظاً على طابعه التاريخي، متسائلاً عن الجهات التي رخصت لهذه “البشاعة” العمرانية. وفي المقابل، انتقد قرارات الوكالة الحضرية التي أصبحت تميل مؤخراً إلى الهدم الكلي لبنايات صلبة ومتينة، في حين تترك المنازل الهشة تنهار على رؤوس أصحابها.
دعوة للمحاسبة وتغليب المصلحة العامة
واختتم رضوان بنار تصريحه بدعوة صريحة لربط المسؤولية بالمحاسبة، مناشداً الجهات المعنية بضرورة اعتماد “مقاربة اجتماعية” تراعي فقر وهشاشة ساكنة المدينة القديمة. ووجه رسالة للمسؤولين قائلاً: “كفى من العبث.. من لا يستطيع خدمة الوطن بصدق وأمانة فليتنحى. نريد مسؤولين يخافون الله ويطبقون القانون بما يخدم المصلحة العامة لا المصالح الشخصية”.
وتأتي هذه التصريحات لتدق ناقوس الخطر مجدداً حول وضعية المدينة القديمة بالدار البيضاء، التي باتت جدرانها تخفي قصصاً مأساوية لمعالم تاريخية تحتضر ومواطنين يعيشون تحت سقف الخوف.