في ظل سياق يتسم بتراجع مؤشرات الحريات وتضييق الحيز المدني، رسم تقرير حقوقي حديث صورة قاتمة ومقلقة لوضعية المدافعات عن حقوق الإنسان في المغرب. التقرير، الذي أعدته “مجموعة الشابات من أجل الديمقراطية”، كشف أن الناشطات المغربيات يواجهن “قمعاً متعدد الأبعاد” يمزج بين الترسانة القانونية الزجرية وبين الضغوط الاجتماعية الأبوية، مما يضعهن في مواجهة مباشرة مع سلطتين: سلطة الدولة وسلطة المجتمع.
يؤكد التقرير أن هناك “فجوة مقلقة” بين الضمانات التي يكفلها دستور 2011 والالتزامات الدولية للمغرب، وبين الممارسات الميدانية في عام 2025 و2026. ورغم إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قانون الصحافة، يبرز التقرير لجوء السلطات المتزايد إلى “القانون الجنائي” لمحاكمة الآراء السلمية تحت مسميات فضفاضة مثل “إهانة مقدسات” أو “نشر أخبار كاذبة”، وهي تهم تستخدم كأدوات للترهيب والضبط الاجتماعي.
اللافت في التحليل الذي قدمه التقرير هو التركيز على “البُعد الجندري” للانتهاكات. فالمدافعة عن حقوق الإنسان في المغرب لا تُعاقب فقط على رأيها السياسي، بل تُستهدف في “سمعتها وشرفها” عبر حملات تشهير رقمية ذات طابع جنسي تهدف إلى عزلها اجتماعياً. ويرى التقرير أن “المنظومة الأبوية” تتحالف مع “السلطة السياسية” لفرض الوصاية على جسد وسلوك وهوية النساء، معتبرة أن خروج المرأة إلى الحيز العام للنقد هو “فعل تخريبي” للنظام القائم.
وثق التقرير حالات رمزية تعكس حجم المعاناة، منها حالة المدونة سعيدة العلمي التي واجهت ملاحقات بسبب منشورات نقدية، والصحافية لبنى الفلاح التي تعرضت لضغوط قضائية وإدارية مست استقلاليتها المهنية. كما سلط الضوء على حالة الشابة يسرى خلوفي والمناضلة النقابية نزهة مجدي، وصولاً إلى الناشطة ابتسام لشكر التي يتقاطع في قضيتها تجريم المعتقد مع تجريم حرية التعبير.
خصص التقرير حيزاً هاماً لـ “جيل زد” (Gen Z)، موثقاً شهادات صادمة لشابات اعتُقلن بسبب مشاركتهن في مظاهرات سلمية بالرباط والدار البيضاء ومكناس. الشهادات تحدثت عن تعرضهن لتحرش جنسي ولفظي داخل مخافر الشرطة، وإهانات تمس مظهرهن الشخصي (مثل الثقب في الأذن أو نوع اللباس)، في محاولة لكسر إرادتهن النضالية عبر الوصم الأخلاقي.
ولم يغفل التقرير معاناة النساء في المناطق الريفية والمهمشة، واصفاً إياهن بـ “المغيبات”. هؤلاء النسوة يواجهن “إعاقة مزدوجة”؛ فمطالبهن بالحقوق الأساسية (كالصحة والتعليم) تُختزل في مشاكل مادية وتُجرد من صبغتها الحقوقية، مما يجعلهن الأكثر عرضة للانتهاكات بعيداً عن أضواء الإعلام والمنظمات المركزية.
توصيات عاجلة لإنقاذ المسار الديمقراطي
اختتمت “مجموعة الشابات من أجل الديمقراطية” تقريرها بحزمة من التوصيات، تضمنت:
إصلاح القانون الجنائي: مراجعة الفصول الغامضة التي تُستخدم لتجريم التعبير.
محاربة التشهير الرقمي: اعتبار حملات التشويه ضد المناضلات شكلاً من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.
حماية المدافعات: إرساء آلية وطنية مستقلة لتوثيق الانتهاكات وتوفير الحماية القانونية والنفسية.
الالتزام الدولي: تفعيل بنود اتفاقية “سيداو” وإعلان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان.