عادت “الدراما التركية” لتتصدر واجهة النقاش العمومي في المغرب، ليس من باب نسب المشاهدة العالية هذه المرة، بل من بوابة المؤسسة التشريعية. فقد تحول “الاستحواذ” الواضح للمسلسلات الأجنبية على شبكة برامج القنوات القطب العمومي إلى موضوع “سؤال كتابي” حارق، أعاد إلى الواجهة أزمة الهوية والإنتاج في التلفزيون الرسمي.
ووجه نواب برلمانيون سؤالاً كتابياً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، يستفسرون فيه عن المعايير والأسس المعتمدة في اقتناء المسلسلات الأجنبية، وخصوصاً التركية منها. وعبر النواب عن قلقهم من “تغول” هذه الأعمال في البرمجة السنوية، متسائلين عن الميزانيات المرصودة لها ومدى تأثيرها على حصص الإنتاج الدرامي الوطني.
وحسب نص المساءلة، فإن القنوات العمومية باتت تمنح أوقات “الذروة” (Prime Time) – التي تشهد أعلى نسب متابعة – للأعمال التركية المدبلجة، مما يقلص من فرص ظهور الأعمال المغربية ويحصرها في فترات زمنية أقل أهمية، أو يختزل حضورها القوي في شهر رمضان فقط.
من جانبهم، يرى مهنيون ومتتبعون للشأن الإعلامي أن مراهنة القنوات العمومية على الدراما التركية تنطلق من منطق “تجاري صرف”؛ حيث تضمن هذه الأعمال نسب مشاهدة مرتفعة وتكلفة اقتناء أقل مقارنة بتكلفة إنتاج عمل مغربي ضخم بنفس عدد الحلقات.
إلا أن هذا الرهان، حسب المهنيين، له “كلفة خفية” باهظة؛ فهو يحرم المبدعين والمخرجين والتقنيين المغاربة من فرص الشغل والتطوير، ويحول دون قيام “صناعة درامية وطنية” قادرة على المنافسة وتصدير الثقافة المغربية للخارج، بدلاً من استهلاك ثقافة الآخرين بشكل مفرط.
وتتعالى الأصوات المنادية بضرورة مراجعة “دفاتر التحملات” الخاصة بالقنوات العمومية، لفرض حصص أكبر للإنتاج الوطني طيلة السنة وليس موسمياً فقط. ويشدد مهتمون على أن القنوات الممولة من جيوب دافعي الضرائب ملزمة أخلاقياً وقانونياً بدعم الإبداع المحلي كأولوية، وتطوير مضامين تتماشى مع الخصوصية المغربية، بدلاً من الارتماء في حضن “الدبلجة” الجاهزة.
ويبقى السؤال المطروح الآن: هل ستتفاعل الوزارة الوصية مع هذه المطالب البرلمانية بفرض قيود على “الاستيراد الدرامي”؟ أم أن “سلطة الأرقام” ونسب المشاهدة ستظل هي المتحكم الوحيد في شبكة البرامج، مكرسةً بذلك واقع “الغربة” الذي يشعر به الفنان المغربي داخل قنواته الوطنية؟
تظل الأيام المقبلة كفيلة بكشف رد الوزير بنسعيد، وسط ترقب كبير من المهنيين الذين يأملون في “رد الاعتبار” للدراما المغربية لتستعيد مكانتها الطبيعية فوق شاشات “دار البريهي” و”عين السبع”.