ميمونة الدليمي: المرأة الصحراوية “سلطة تلقائية”.. وصاحبة “الفيتو”

“بينما كان الرجال يجوبون فيافي الصحراء لأسابيع طلباً للقوت، كانت “الخيمة” تتحول إلى برلمانٍ مصغر تترأسه امرأة لا تعرف الانكسار. هي “سيدة الفريق” التي تدبر الشأن العام، وتستقبل الضيوف، وتصيغ القوانين الاجتماعية في غياب الجميع. ميمونة الدليمي تفتح اليوم صندوق ذاكرة “البيظان”، لترسم لنا ملامح “الكسّارة”؛ تلك المرأة التي لم تكن تكتفي ببرم الكسكس، بل كانت “تكسر” بصرامتها كل فعلٍ يخرج عن وقار القبيلة، مؤكدة أن السيادة في الصحراء كانت، ولا تزال، أنثوية الهوى.”

“فالها خير من رايها”: الفيتو الروحي للمرأة

تتحدث ميمونة الدليمي عن ملمح فريد في شخصية الأم الصحراوية، وهو ما تسميه “الفال” أو الإحساس الفطري. تقول الدليمي: “في مجتمعنا، لا يمكن للرجل أن يوفق في أمر أو عمل يقدم عليه دون مشورة المرأة. بل إن إحساس الأم (فالها) له سلطة تتجاوز المنطق؛ فإذا قالت الأم لولدها: ‘إحساسي يخبرني أن هذا الأمر لا خير فيه’، يتراجع الابن تلقائياً عن فكرته أو يؤجلها لشهور، إيماناً منه بأن إحساسها حماية وبركة”.

هذه “السلطة العاطفية” ليست ضعفاً، بل هي تقدير لمكانة المرأة كحارس للقيم وموجه للأسرة، حيث تصفها الدليمي بأنها “أهل للسلطة” بممارستها وبقوة حضورها.

“الكسّارة”: دور المرأة كرقيب أخلاقي

وفي وصفها لقوة شخصية الجدات والأمهات، استحضرت الدليمي مصطلحاً صحراوياً بليغاً هو “الكسّارة”. وتوضح أن المرأة الصحراوية كانت تمارس دور “الناقد الاجتماعي” بصرامة؛ فهي “تكسر” (أي تنقد وتصحح) أي تصرف غير لائق، سواء كان مشية أو كلمة أو فعلاً لا يليق بقيم القبيلة.

تضيف الدليمي: “المرأة الصحراوية قوية، تضع حجراً على قلبها لتغليب المصلحة والسمعة الطيبة. كانت هي من تقوّم سلوك الأبناء والشباب، وتراقب الصغيرة والكبيرة في ‘الفريج’ (التجمع القبلي)، مما جعلها الضامن الأول لاستمرار مكارم الأخلاق”.

سيدات المجتمع في غياب الرجال

كشفت الدليمي عن زاوية تاريخية مهمة تفسر سيادة المرأة في الصحراء، وهي غياب الرجال لفترات طويلة. ففي الماضي، كان الرجال يسافرون لأسابيع وشهور طلباً للقوت أو التجارة أو الرعي، بينما تظل النساء هن “حارسات الفريق”.

“كان كل شيء يُترك في أمانة المرأة”، تقول الدليمي. “هي من تستقبل الضيوف، وهي من تقرر كيف يتم التعامل مع ‘الخاطر’ (الضيف)، وهي من تدبر شؤون العيال والماشية. هذا الغياب المستمر للرجل جعل المرأة تتحمل مسؤولية القيادة، مما صهر شخصيتها وجعلها سيدة المجتمع بلا منازع”.

“الكنوة” والتقدير الرمزي

وأشارت الإعلامية الصحراوية إلى أن هذا التقدير يظهر حتى في الألقاب والأسماء (الكنوات)، حيث تُنادى الأم والجدة بألقاب تبجيلية مثل “دادا”، وهو ما يعكس المكانة المقدسة التي تحتلها المرأة في الوجدان الصحراوي منذ الصغر.

تختتم ميمونة الدليمي حديثها لـ “فبراير” بالتأكيد على أن المرأة الصحراوية لم تكن “نصف المجتمع” فحسب، بل كانت هي “النصف المسير” والمحرك الأساسي للقبيلة. إنها المرأة التي استطاعت أن توازن بين حنان الأمومة وحزم القيادة، لتظل “سيدة الخيمة” وصاحبة الكلمة المسموعة التي لا يُقطع أمر دون مشورتها، لا في الماضي ولا في الحاضر.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store