يخلد العالم في الثامن من مارس من كل عام اليوم العالمي للمرأة، وهو موعد دولي أصبح يحمل دلالات رمزية وحقوقية عميقة تعكس مسيرة طويلة من النضال النسوي من أجل تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية وتعزيز حقوق النساء في مختلف أنحاء العالم.
ويرتبط هذا اليوم بتاريخ من الحركات الاجتماعية والعمالية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين بدأت النساء في عدد من الدول الصناعية المطالبة بتحسين ظروف العمل والحصول على حقوق سياسية واجتماعية أساسية، وعلى رأسها الحق في التصويت والمشاركة في الحياة العامة.
وتشير العديد من الروايات التاريخية إلى أن البدايات الأولى لهذا اليوم تعود إلى الاحتجاجات العمالية التي قادتها عاملات مصانع النسيج في الولايات المتحدة الأمريكية مطلع القرن العشرين، حيث خرجت آلاف النساء إلى الشوارع للمطالبة بتقليص ساعات العمل وتحسين الأجور والاعتراف بحقوقهن المهنية.
وفي سنة 1910، اقترحت الناشطة الألمانية كلارا زيتكين خلال المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات في كوبنهاغن تخصيص يوم عالمي للمرأة، بهدف دعم نضال النساء من أجل المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو المقترح الذي لقي آنذاك تأييدا واسعا من المشاركات في المؤتمر.
وبعد سنوات قليلة، بدأ الاحتفال بهذا اليوم في عدد من الدول الأوروبية، قبل أن يتحول تدريجيا إلى مناسبة عالمية تعبر عن التضامن الدولي مع قضايا النساء.
وفي سنة 1975، اعترفت منظمة الأمم المتحدة رسميا باليوم العالمي للمرأة، ليصبح منذ ذلك الحين مناسبة دولية تحتفل بها الحكومات والمنظمات المدنية والمؤسسات الدولية في مختلف أنحاء العالم.
وخلال العقود الماضية، ساهم هذا اليوم في تسليط الضوء على التقدم الذي أحرزته النساء في مجالات متعددة، حيث تمكنت المرأة من تحقيق مكاسب قانونية واجتماعية مهمة، ودخلت ميادين كانت حكرا على الرجال، وبرزت في مواقع القيادة في السياسة والاقتصاد والعلوم والثقافة والرياضة.
غير أن هذا الموعد السنوي لا يقتصر على الاحتفاء بالإنجازات، بل يشكل أيضا فرصة للتذكير بالتحديات التي ما تزال تواجه النساء في العديد من المجتمعات، مثل الفجوة في الأجور، وضعف التمثيل في مواقع القرار، واستمرار العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ويهدف اليوم العالمي للمرأة كذلك إلى تعزيز الوعي بقضايا المساواة بين الجنسين، والدفاع عن حقوق النساء والفتيات، والعمل على تمكينهن من المشاركة الكاملة في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
كما يشكل مناسبة لتوحيد الجهود بين الحكومات والمجتمع المدني والمنظمات الدولية من أجل الدفع نحو سياسات أكثر عدلا وشمولا، تضمن تكافؤ الفرص وتكريس المساواة الفعلية بين الرجال والنساء.
وتتباين مظاهر الاحتفال بهذا اليوم من بلد إلى آخر، إذ تنظم في بعض الدول فعاليات ثقافية وندوات فكرية وأنشطة توعوية، بينما تشهد دول أخرى مسيرات واحتجاجات تطالب بتعزيز حقوق النساء ومواجهة مظاهر التمييز والعنف.
ورغم اختلاف أشكال الاحتفاء، يبقى الثامن من مارس مناسبة عالمية للتأكيد على أن نضال النساء من أجل المساواة لم ينته بعد، وأن تحقيق العدالة بين الجنسين يظل هدفا مشتركا يتطلب مواصلة العمل والتضامن على المستوى الدولي.