في بوحٍ يفيض بالحنين والشجن، فتح الكاتب والسيناريست المغربي، حسن لعروس، علبة ذكرياته الموشومة في دروب المدينة القديمة بالدار البيضاء، مستحضراً تفاصيل دقيقة عن زمن الحماية، وبدايات التعليم، وقصص المقاومة التي لم تروها كتب التاريخ الرسمية بالقدر الكافي. شهادة لعروس لم تكن مجرد سرد للأحداث، بل كانت لوحة سينمائية حية تجسد معاناة وصمود جيل بأكمله.
“السلقومة” و”الرابوز”.. طقوس التعليم في زمن “مسيو كونور”
يروي لعروس بدايات التعليم في البيضاء، متوقفاً عند مدرسة “موكادور” (التي بنيت عام 1914) ومدرسة “الفهرية” (التي كانت تسمى بالوند). ويستذكر بابتسامة ممزوجة بالدهشة شخصية المدير الفرنسي “مسيو كونور” وزوجته، وكيف كان يتم تحديد سن الأطفال الراغبين في التسجيل في غياب الحالة المدنية آنذاك.
يقول لعروس: “كان المدير كونور يرفع (شلقومة) الطفل –أي شفته العليا– ليفحص أسنانه، ومن خلال نمو أسنان (الحرين) يحدد عمره وقبوله من عدمه”. ولم تتوقف غرابة الطقوس عند هذا الحد، بل امتدت لمكافحة الأوبئة والحشرات (القمل والبق) التي كانت متفشية؛ حيث كان التلاميذ يمرون قبل دخول القسم أمام “رابوز” كبير ينفخ غباراً أبيض (مبيد حشري) على رؤوسهم، ليدخلوا الأقسام ورؤوسهم بيضاء كأنهم خرجوا من مطحنة للدقيق.
مدرسة “السلام” وعصا “سي عكور” الأنيقة
ينتقل لعروس إلى محطة أخرى في مساره الدراسي بمدرسة “السلام”، حيث يتذكر بتقدير كبير المدير “السي الصعيدي” والمؤسس “السي عكور”. ويصف الأخير بأنه كان رجلاً شديد الأناقة، شمالي الأصل، لكنه كان صارماً في مراقبة النظافة. “كان يدور علينا بالعصا، نمد أيدينا ليقلب الأظافر والآذان والشعر.. ومن وجده متسخاً نال نصيبه من الضرب وأُمر بالعودة للاغتسال”. كانت مدرسة “السلام” بالنسبة للعراص مكاناً لتعلم الانضباط، وتحية العلم، والقيم الوطنية قبل الدروس الفصلية.
مأساة “العيدي”: موسيقى، مقاومة، وغدر الأخوة
الجزء الأكثر شجناً في شهادة حسن لعروس كان حول الفنان والمقاوم “العيدي لوديي”. يحكي لعروس كيف عاد العيدي من فرنسا رفقة زوجته الفرنسية (ابنة مدير معهد باريس للموسيقى)، التي لم تكتفِ باعتناق الإسلام، بل انخرطت في المقاومة المغربية مستغلة هويتها الأوروبية لتهريب السلاح للمقاومين تحت أعين الاستعمار.
لكن النهاية كانت درامية بامتياز؛ ففي خضم الصراعات السياسية والحزبية (بين حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال) قبيل الاستقلال، راح العيدي ضحية “تصفية حسابات” داخلية. يروي لعروس بمرارة كيف سمع طلقات الرصاص (14 رصاصة) وهو في منزله، ليتضح أن العيدي سقط صريعاً أمام باب منزله في “درب خروبة”.
راية من “كوردة” حمراء.. الوداع الأخير
في مشهد سينمائي بامتياز، يسرد لعروس تفاصيل جنازة الشهيد العيدي. رفضت زوجته الفرنسية دفنه قبل وضع العلم المغربي على صدره، لكن الأعلام كانت ممنوعة ونادرة آنذاك. وهنا تجلت عبقرية العفوية المغربية؛ حيث قام رجل يُدعى “السي الطنطاوي” بقطع قطعة حمراء من “كوردة” (حزام صوفي) كان يلفها حول خصره، وأضافوا إليها قطعة خضراء، لتصنع منها الزوجة “راية” وضعتها على صدر زوجها الشهيد قبل أن تواريه الثرى.
ذاكرة لا تموت
تأتي شهادة حسن لعروس لتذكرنا بأن تاريخ المغرب لم يصنعه الكبار فقط في غرف السياسة، بل صنعته أيضاً دماء المقاومين في أزقة “المدينة القديمة”، وصبر التلاميذ في مدارس “مسيو كونور”، وتضحيات نساء وأبطال آمنوا بالحرية قبل أن يروها. هي دعوة من لعروس لعدم نسيان هؤلاء الأبطال، أمثال الزرقطوني، الرشيدي، صدقي، والشهيد العيدي، الذين بقيت قصصهم محفورة في وجدان من عاصروا “الزمن الجميل” بمراراته وانتصاراته.