صادقت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، بالأغلبية، على مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية القوانين، وذلك بحضور وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
وجاءت المصادقة في سياق نقاش مؤسساتي يهم إحدى الآليات الدستورية الجوهرية التي أقرها دستور 2011، والرامية إلى تمكين المتقاضين من الطعن في دستورية القوانين أثناء عرض نزاعاتهم أمام القضاء، بما يعزز حماية الحقوق والحريات ويكرّس سمو الدستور داخل المنظومة القانونية.
وشهد المشروع إدخال تعديلات وُصفت بالمهيكلة، همّت بالأساس توسيع نطاق تطبيق الدفع بعدم الدستورية ليشمل المنازعات المرتبطة بعضوية مجلسي البرلمان، إضافة إلى حالات “التجريد من العضوية”، بدل الاقتصار على المنازعات الانتخابية كما في الصيغة الأصلية. وهو تعديل يعكس توجهاً نحو توسيع مجال الرقابة القضائية على القوانين في سياقات ذات حساسية سياسية ومؤسساتية.
كما تم تدقيق الأثر الإجرائي للدفع بعدم الدستورية، حيث أقرّ المشرّع مبدأ توقيف البت في النزاع الأصلي إلى حين حسم المحكمة الدستورية، مع استثناء الحالات المرتبطة بإجراءات التحقيق في القضايا الانتخابية، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات العدالة الدستورية وضرورات السير العادي للمنازعات.
وفي بعد يتصل بنجاعة المسطرة، برز توجه داخل اللجنة نحو تقليص أجل البت في الدفع من 90 يوماً إلى 30 يوماً، وهو مقترح يعكس وعياً متزايداً بضرورة تسريع الزمن القضائي المرتبط بالقضايا الدستورية، لما لذلك من أثر مباشر على استقرار المراكز القانونية للمتقاضين.
أما على مستوى شروط القبول، فقد أثار المشروع نقاشا بشأن إلزامية توقيع مذكرة الدفع من طرف محام مقبول للترافع أمام محكمة النقض، قبل أن يتم تعديل هذا المقتضى بشكل يوسع قاعدة المحامين المؤهلين، عبر السماح لمحامين مسجلين بهيئات المحامين بتقديم الدفع أمام محاكم الدرجة الأولى والثانية، مع الإبقاء على شرط القبول لدى محكمة النقض في القضايا المعروضة أمامها أو أمام المحكمة الدستورية.
وشملت التعديلات أيضاً إعادة تنظيم مسطرة تبليغ قرارات المحكمة الدستورية، عبر إسنادها لمحكمة النقض باعتبارها حلقة وصل مؤسساتية، إلى جانب التنصيص على النشر الفوري لهذه القرارات، بما يعزز الشفافية ويضمن إشعاع الاجتهاد الدستوري.
وفي السياق ذاته، تم تعزيز الضمانات الإجرائية من خلال إلزام المحكمة الدستورية بإنذار مثير الدفع لتصحيح المسطرة داخل أجل محدد، مع إقرار إمكانية الطعن في المقررات القاضية بعدم القبول، وهو ما يكرّس مبدأ التقاضي على درجتين حتى في المساطر المرتبطة بالرقابة الدستورية.
وتعكس هذه التعديلات، في مجملها، محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات الولوج الفعلي للعدالة الدستورية، وضمانات النجاعة الإجرائية، في أفق إرساء ممارسة قضائية دستورية أكثر دينامية.
وينتظر أن يواصل المشروع مساره التشريعي داخل المؤسسة البرلمانية، في ظل رهانات متزايدة على تفعيل آلية الدفع بعدم الدستورية كأداة مركزية لمراقبة القوانين، وتعزيز دولة القانون، وضمان حماية الحقوق والحريات في مواجهة النصوص التشريعية.