فبراير تكشف لماذا انقرضت “الشطارة” في أسواقنا؟
تمد يدك نحو الطماطم، تلتقط حبة واحدة، تقلبها يمينا وشمالا بعيون خبيرة تحاكي كل جداتك اللواتي أتقنَّ هذا الفن، ثم تسأل بنبرة من يعرف ما يريد: “كم بخمسة دراهم؟”. يرفع البائع رأسه ببطء، ينظر إليك كمن ينظر إلى من يسأله إن كانت الأرض مستديرة، ثم يُجيب: “لا يا سيدي، عشرة دراهم ولا نقاش”. تبتلع ريقك. تلتفت يمينا ويسارا، لا أحد يساوم، الجميع يدفع في صمت مريب، ولحظتها تُدرك أنك قد دخلت رسميا إلى “عصر ما بعد المساومة”.
كانت المساومة في الأسواق المغربية فنا رفيعا يُتوارث جيلا بعد جيل، أقرب إلى الطقس الاجتماعي منه إلى مجرد محاولة لخفض الثمن، كانت هي «الدفا» الصباحي، ورياضة العقل، وطريقة للتعارف مع البائع قبل أن تصير من “الزبناء المعروفين” الذين يحجز لهم أفضل ما عنده. كانت المساومة، بعبارة أخرى، لغةً اجتماعية كاملة لها قواعدها ونكاتها وتقنياتها المتوارثة: ابدأ بعرض نصف السعر، اظهر اللامبالاة، امشِ خطوتين نحو الباب، انتظر أن يناديك، عُد وكأنك تفعله معروفا… وهكذا حتى تنتهيا إلى سعر يُرضي الطرفين ويُعيد رسم الحدود الاجتماعية بين البائع والمشتري بطريقة يفهمها الجميع.
اليوم، في عام 2026، تلك الثقافة العريقة تحتضر ببطء شديد، مخلّفةً وراءها مواطنا حائرا يقف أمام طاولة الخضر لا يعرف إن كان يجب أن يساوم أم يصمت أم يغضب أم يشتري أم يرحل جائعا، وفي الأفق، تتراكم الأسئلة بلا إجابات شافية: لماذا لا تنعكس وفرة الإنتاج الزراعي على أسعار السوق؟ من يكسب في هذه المعادلة؟ وهل فقدنا، مع المساومة، شيئاً أثمن من درهم أو درهمين؟
الخضرة من الحقل إلى طاولتك
“قبل أن نغضب”، دعونا نفهم، الرحلة التي تقطعها حبة الطماطم من حقل فلاح في دكالة أو سوس إلى يدك في سوق جامع الفنا هي ربما أكثر الرحلات تكلفةً في المغرب — ليس لأنها بعيدة جغرافياً، بل لأن من يركبون «القطار» في الطريق كثيرون، وكل واحد يريد تذكرته المدفوعة من جيبك أنت. لنتتبع القصة:

الفلاح يبيع طماطمه بـ2.5 درهم للكيلو — بعد شهور من العمل تحت الشمس وتكاليف البذور والسقي والحصاد، يشتريها تاجر الجملة الأول بـ4 دراهم — أضاف درهماً ونصف مقابل «الخدمة» وهامش الربح، وتنتقل إلى موزع إقليمي بـ5.5 درهم — النقل، التبريد أحياناً، والوساطة، ليقوم بائع الحي بشرائها بـ6 دراهم — ثم يضيف هامشه ليتمكن من دفع الكراء والضرائب والمعيشة، وأنت تدفع 10 دراهم للكيلو — أي أربعة أضعاف ما أخذه الفلاح الذي زرعها.
هذه الأرقام لا تعني أن البائع الصغير في السوق يجني ثروة — كثير منهم يعانون بدورهم من ارتفاع تكاليف الإيجار والنقل والخسائر الناجمة عن تلف البضاع،. المشكلة ليست في طرف واحد، بل في المنظومة كلها، تلك الشبكة المتشابكة من الحلقات التي تُضاف كل منها فوق الأخرى حتى تصل إلى ما يُشبه المعجزة الرياضية: منتج يتضاعف سعره ثلاث مرات قبل أن يلمسه يد المستهلك.
المتهم الأول: الوسيط «الشبح» الذي لا تراه ولكنك تدفع له
في كل صباح، حين يفتح فلاح باب حقله في سهل الحوز أو تافيلالت، يجد أمامه ثلة من تجار الجملة الذين جاؤوا بشاحناتهم مبكرا، —ليس لأنهم يُحبون الصباح — بل لأن من يأتي أولاً يُحدد السعر، الفلاح، الذي عمل شهورا وينتظر أن يسترد ما أنفقه ويزيد، يجد نفسه أمام خيار واحد في الغالب: يقبل ما يُعرض عليه أو يتركها تتعفن في الحقل. فيبيع. ثم تبدأ الرحلة الطويلة.
من الحقل إلى طاولة البائع — الوسطاء الذين لا تراهم
في المتوسط، تمر الخضرة عبر 3إلى 5 وسطاء قبل أن تصل إلى المستهلك. كل وسيط يُضيف هامشه الخاص — يتراوح بين 15٪ و40٪ — مما يعني أن السعر النهائي قد لا يعكس تكاليف الإنتاج الحقيقية بقدر ما يعكس طول سلسلة التوزيع وعدد الأيدي التي مرت عبرها البضاعة.
الطريف — والمؤلم في آن واحد — أن هذا النظام لم يتغير كثيراً منذ عقود، تحدث عنه الاقتصاديون، وأدانه البرلمانيون، وشكا منه المستهلكون في كل موسم، ثم تنتهي الجلسة، ويخرج الجميع من القاعة، ويعودون في اليوم التالي إلى نفس السوق ليدفعوا نفس الأسعار، المنظومة صلبة كأسنان البائع الذي يرفض التفاوض.

جيل Z غيّر قواعد اللعبة بدون أن ينتبه أحد
حين دخلت “السوبرماركتات: الكبرى إلى المدن المغربية بأسعارها الثابتة المطبوعة على الملصقات، وعروضها المرتبة في ممرات معقمة، وموسيقاها الهادئة التي تُنسيك الوقت — تغيّر شيء جوهري في نفسية جيل كامل. شباب نشأوا يعرفون أن “السعر مكتوب” ولا يناقَش، مثلما لا يناقشون سعر الأنترنيت أو اشتراك نتفليكس، هؤلاء أصبحوا يتسوقون في أسواق الأحياء ولكن بـ”عقلية سوبرماركت”: يسألون عن السعر، يحسبون في رؤوسهم، ثم يدفعون أو يمشون بصمت لائق.
المساومة؟ كثير منهم يجدونها “محرجة” أو “متعبة” أو ببساطة “ما عندهاش وقت”. وحين يفعلها أحدهم فإنه يُقلدها بتردد من يتكلم بلغة نسيها نصفه — يعرف الكلمات لكن لا يعرف النبرة، ولا يجيد الصمت الاستراتيجي، ولا الابتسامة التي تعني “أعرف أنك تكذب على سعرك”.
والبائعون لم يكونوا بطيئين في استيعاب هذا الدرس. إذا كان نصف زبائنك يدفعون السعر الكامل دون أن يرف لهم جفن، فلماذا تُرهق نفسك بالمساومة مع الآخرين؟ الاقتصاد بسيط هنا: حين يرتفع “صبر الزبون على السعر”، يرتفع السعر معه. وهكذا، دون قرار مُعلن من أحد، أصبح السعر “ثابتا” في أسواق كانت حتى وقت قريب مسارح للمفاوضة الحرة.
موسم وفير… وأسعار أكثر وفرة!
هنا تبدأ القصة تفقد منطقها البديهي وتدخل إلى أرض أقرب إلى الكوميديا منها إلى الاقتصاد، الأمطار عادت هذا الموسم وهو خبر جيد كان ينتظره الجميع بعد سنوات عجاف، تحسّنت محاصيل الحبوب والخضروات، الحقول في دكالة والغرب والمنصور أنتجت بغزارة، وفاضت مخازن التبريد. بالمنطق الاقتصادي البسيط الذي تعلمناه في المدرسة: العرض يرتفع، فينبغي أن تنخفض الأسعار.
لكن يبدو أن الأسواق المغربية لا تقرأ كتب الاقتصاد، فرغم كل هذه الوفرة، سجلت أسعار بعض الخضروات ارتفاعاً في عدد من المدن الكبرى بنسب تصل إلى 50٪ مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، خمسون بالمائة! في موسم جيد! حين تسأل البائع عن ذلك يجيبك بثقة: «المواصلات غلات»، «الكراء زاد»، «كل شي غلا». وهو لا يكذب — لكن هذه التفسيرات تنطبق على كل السنوات، جيدها ورديئها، وفيرها وشحيحها، مما يطرح السؤال: متى بالضبط تنعكس وفرة الإنتاج على سعر الكيلو؟

«وفرة من الضيعة، قلّة في الجيب» — هذه المعادلة الساخرة باتت تُلخص واقع كثير من المغاربة الذين سمعوا أخبار الموسم الجيد في التلفاز، ثم ذهبوا إلى السوق في الصباح الباكر ليجدوا الطماطم بعشرة دراهم كما كانت بالأمس أو أغلى.
رقابة أم كلام؟
في كل مرة يرتفع فيها سعر السلة الغذائية ويشعل جدلا على منصات التواصل الاجتماعي، يُسارع المسؤولون إلى التصريح بأن الأمر قيد المتابعة وأن الرقابة على الأسواق مستمرة. تُعقد جلسات برلمانية، وتُقدم المعارضة مقترحات لضبط الأسعار، وتُصدر البلاغات التطمينية، ثم… يعود الهدوء. وتبقى الأسعار كما هي أو أعلى.
المشكلة الحقيقية هي أن الرقابة على أسواق القرب والأسواق الشعبية تظل شبه معدومة على أرض الواقع، لا توجد آليات فعلية لمراقبة هوامش الربح في سلسلة التوزيع، ولا رقابة منتظمة على أسعار التقسيط في الأحياء الشعبية. كل ما يحدث هو تدخل ظرفي في مواسم الذروة — رمضان وعيد الأضحى — ثم عودة إلى الوضع الطبيعي الذي بات طبيعياً فقط لأننا اعتدنا عليه.
«الرقابة موجودة على الورق، والمشكلة موجودة على الطاولة — وبين الاثنتين مسافة طويلة اسمها التطبيق.» باحث في الاقتصاد الاجتماعي.
المفارقة أن المغرب يمتلك منظومة متكاملة من المؤسسات المكلفة بحماية المستهلك وضبط السوق، من مجلس المنافسة إلى جمعيات حماية المستهلك. لكن المواطن الذي يقف أمام طاولة الخضر في السوق الأسبوعية لا يشعر بأي من هذه الحماية في جيبه. هناك هوّة عميقة بين المنظومة المؤسسية والواقع اليومي المعاش، وهذه الهوّة هي التي يسقط فيها كيلو الطماطم كل أسبوع.
هل فقدنا مع المساومة شيئاً أثمن؟
دعونا نتوقف لحظة عند البُعد الثقافي لهذه القضية، لأنه يستحق أكثر من مجرد ملاحظة عابرة. المساومة في الأسواق التقليدية المغربية لم تكن أبدا مجرد عملية تفاوض على السعر. كانت طقساً اجتماعياً يبني الثقة بين البائع والزبون، وشكلاً من أشكال الاحترام المتبادل: أنا لا أقبل سعرك الأول لأنني أحترم نفسي، وأنت تخفض سعرك لأنك تحترمني زبونا، في نهاية التفاوض، كلاكما فاز بشيء يتجاوز فرق الدرهم أو الدرهمين.
كانت المساومة أيضاً شبكة أمان اجتماعية غير رسمية، حين كانت الأسعار مرنة، كان بإمكان الشخص ذي الدخل المحدود أن يتفاوض للحصول على ما يكفيه، حين تصبح الأسعار «ثابتة» والمساومة «عيبا»، يصبح الفقر أشد وطأة لأنه يُسدّ أمامه هذا المخرج الصغير.
ما فقدناه مع المساومة: الثقة المبنية على الحوار حيث كان التفاوض لغة للتعارف والتواصل بين الجيران في الحي، المرونة الاجتماعية فالأسعار غير الثابتة كانت تسمح لذوي الدخل المحدود بالتكيف، وأيضاالشعور بالكرامة من خلال قدرتك على التأثير في السعر كانت تجعلك فاعلاً لا متفرجاً.
هل من أمل؟ حلول تستحق التفكير الجدي
بين بكاء المستهلك وصمود البائع وغياب الرقيب، ثمة أفكار حقيقية تستحق الطرح والنقاش، لا الانتظار حتى تتفاعل تغريدة غاضبة، أول الأفكار: الشفافية الرقمية في سلسلة التوزيع، وذلك عبر تطبيق أو منصة إلكترونية توفر بيانات يومية عن أسعار الجملة في أسواق المنتجين الكبرى يُمكّن المستهلك من معرفة السعر «الحقيقي» قبل أن يذهب للسوق. هذا موجود في دول كثيرة ولا يتطلب بنية تحتية معقدة، بل مجرد إرادة في نشر البيانات التي تجمعها الجهات المختصة أصلاً، تقليص حلقات الوساطة، وذلك يرتبط بتجارب الأسواق الفلاحية المباشرة التي تربط المنتج بالمستهلك دون وسيط ناجحة حين طُبّقت في بعض المدن، ومن شأن توسيع هذه التجربة وتنظيمها وإعطاؤها حيزاً مناسباً في الأسواق الأسبوعية يمكن أن يُحسن أسعار الطرفين: الفلاح يبيع بأكثر مما يأخذه من تاجر الجملة، والمستهلك يشتري بأقل مما يجده في السوق الاعتيادي، إعادة الاعتبار للمساومة كممارسة ثقافية هذا قد يبدو ساذجاً، لكنه ليس كذلك. ثمة حركات اجتماعية في دول كثيرة أعادت الاعتبار لممارسات تقليدية مهددة بالاندثار — التسوق من المحلات الصغيرة، وأسواق الحي، وإحياء ثقافة التفاوض. حملة واعية تشرح للجيل الشاب أن المساومة ليست إهانة للبائع بل احترام مشترك يمكن أن تُحدث فارقاً تدريجيا.
أما ريثما تتحقق هذه الحلول — وقد ينتظر بعضها طويلاً — يبقى المغربي معلقا بين ماض كان يُفاوض فيه حتى يأخذ ما يريد بنصف الثمن، وحاضر يجد نفسه فيه يدفع الضعف في صمت تام، ويعود إلى البيت يتساءل: أين ذهب ذلك الزمن الذي كانت فيه جملة «خاصم عليا شوية» تفتح باباً للحوار لا تُغلقه؟