الداخلة تتنفس التنمية وتعزز موقعها الاستراتيجي
يقولون إن كل زائر يصل إلى الداخلة بحب، يغادرها بذكريات لا تتسع لها أي حقيبة؛ فهي ليست مجرد مدينة ساحلية، بل هي “شبه جزيرة” ساحرة ترنو ببصرها نحو المحيط الأطلسي، وتستقبل ضيوفها بكرم أهلها الأصلاء الذين ظلت “الحسانية” لغتهم، و”الملحفة” هويتهم، والترحاب عنوانهم. اليوم، لم تعد الداخلة مجرد وجهة سياحية عالمية، بل تحولت إلى ورش تنموي مفتوح يكتب فصلاً جديداً من فصول النجاح المغربي في الأقاليم الجنوبية.
تستمد الداخلة قوتها من تاريخها المجيد، وبالتحديد من ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب في 14 أغسطس، تلك المحطة التاريخية التي جسدت بيعة الساكنة للملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه. وانطلاقاً من تلك الشرعية التاريخية، شهدت المدينة طفرة نوعية منذ عام 2015، حين أعطى جلالة الملك محمد السادس انطلاقة النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، لتنتقل المدينة من “بنيات تحتية بسيطة” إلى “قطب اقتصادي دولي”.
لا يمكن الحديث عن الداخلة اليوم دون ذكر “ميناء الداخلة الأطلسي”، المشروع الذي يصفه المتابعون بـ “بوابة المغرب نحو عمقه الإفريقي”. هذا الميناء لن يغير فقط وجه التجارة الدولية للمملكة، بل سيعزز تموقعها القاري والدولي. وبالتوازي مع هذا الزخم البحري، تبرز مشاريع أخرى لا تقل أهمية، مثل إنشاء محطة لتحلية مياه البحر لسقي 5000 هكتار من الأراضي الزراعية، إضافة إلى الطريق السريع الذي يربط تيزنيت بالداخلة، مما ينهي عزلة المناطق الجنوبية ويجعلها شرياناً اقتصادياً نابضاً.
على الصعيد المحلي، يقود المجلس الجماعي للداخلة برؤية شبابية طموحة برنامجاً ضخماً للتهيئة الحضرية. وفي هذا السياق، شهدت المدينة تحولاً جذرياً بنسبة وصلت إلى 90% منذ عام 2021؛ حيث تحولت الأحياء القديمة التي عانت سابقاً من الإهمال إلى فضاءات للعيش الكريم.
وبحسب الراغب حرمة الله، رئيس جماعة الداخلة، فـ”اليوم، يلمس المواطن الداخلوي أثر التنمية في حياته اليومية من خلال انتشار المساحات الخضراء، ملاعب القرب في كل حي، الإنارة العمومية الحديثة، والأسواق العصرية”.
وأضاف أن الطموح لا يتوقف عند هذا الحد، بل يهدف إلى تحويل الداخلة إلى “مدينة خضراء وذكية” في أفق عام 2027-2028.
سياحياً، تكرس الداخلة مكانتها كقبلة عالمية لعشاق الرياضات المائية، وخاصة “الكايت سورف”. ففي الوقت الذي يقصدها الأجانب من مختلف الجنسيات شتاءً للاستمتاع بجوها المعتدل، يتدفق عليها المغاربة صيفاً. ولم يقتصر إشعاع المدينة على استضافة البطولات العالمية، بل أنجبت أبطالاً محليين رفعوا راية المغرب عالياً في المحافل الدولية، مما جعل أبناء المنطقة يشعرون بالفخر والاعتزاز بانتمائهم لهذه الأرض المعطاء.
إنها جوهرة الجنوب.. الرهان الرابح للمغرب على المستقبل، والمدينة التي أضحت مشروعاً وطنياً متكاملاً يُنجز أمام الأعين. فمن شبه الجزيرة هذه، يبعث المغرب رسالة للعالم بأن الإرادة السياسية والعمل الميداني قادران على تحويل الرمال إلى أقطاب عالمية للازدهار والتنمية.