في حوار خاص مع موقع فبراير، كشف الكاتب ووالي الأمن السابق عبد الرزاق الرميشي عن تفاصيل روايته الجديدة “ما بعد الشهادتين”، التي جاءت امتدادا لروايته الأولى توأم الروح، مؤكدا أن المشروع الروائي الذي يشتغل عليه لا ينفصل عن انشغالات فكرية وفلسفية راكمها منذ أكثر من أربعة عقود، وأن هدفه الأساسي يتجاوز الحكي التقليدي نحو إعادة بناء مفاهيم الإنسان والمعرفة والعقل داخل المجتمع المغربي.
وأوضح الرميشي، خلال حديثه، أن الروايتين رغم اختلاف الأزمنة والأمكنة والشخصيات واللغة والأساليب، إلا أن بينهما خيطاً فكرياً عميقاً يجمعهما، يتمثل في الخلفية النظرية للمؤلف وأفق الكتابة الذي يتحكم في اختياراته السردية. وأضاف أن ما يسميه النقد الأدبي الحديث بـ”الهدف الدلالي” حاضر بقوة في العملين، باعتباره الاستراتيجية العامة التي تحكم مشروعه الأدبي والفكري.
وأكد المتحدث أن بناء الإنسان المغربي لا يمكن أن يتحقق دون بناء المعرفة، وبناء المعرفة بدوره لا يكتمل دون بناء العقل، بينما يظل بناء العقل مرتبطاً بالمفاهيم الكبرى التي تحتاج إلى تبسيط وإعادة تركيب حتى تصبح قابلة للفهم لدى عموم القراء، بعيدا عن التعقيد الأكاديمي والنخبوي.
وأشار الكاتب إلى أنه حاول، عبر الحوارات التي تتخلل الرواية، خلق تماس بين مرجعيات مختلفة ومتعارضة أحياناً، معتبرا أن المعرفة لا تنتج داخل الانغلاق، بل عبر الاحتكاك والتضاد. واستحضر في هذا السياق شخصية “إبراهيم الروداني”، بطل رواية “ما بعد الشهادتين”، الذي يقع في حب فتاة مناضلة ضمن تنسيقية المعطلين، متحجبة وحاصلة على الدكتوراه من كلية أصول الدين بتطوان، موضحا أن اختياره لهذا التناقض كان مقصوداً، لأن اختلاف المرجعيات، حسب تعبيره، هو ما يسمح بإنتاج الفكر والأسئلة الجديدة.
وفي حديثه عن علاقته بالفلسفة، شدد الرميشي على أن اهتمامه بهذا المجال ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى سنوات الدراسة الجامعية بين 1979 و1983، واستمر معه إلى اليوم، معتبرا أن الإنسان لا يمكنه العيش دون سؤال، وأن جوهر الفلسفة يكمن في طرح الأسئلة وليس في التسليم بالأجوبة الجاهزة والمسلمات.
وأضاف أن هذا العمق الفكري انعكس حتى على مساره المهني السابق في المجال الأمني، رغم البعد الظاهر بين الفكر والعمل الأمني، موضحاً أن الإنسان حين يمتلك زاداً معرفياً وقدرة على التحليل والنظر العميق للأشياء، فإنه ينجح في مختلف المجالات.
وتوقف والي الأمن السابق عند ما وصفه بـ”التحدي الحضاري” الذي يواجه المجتمعات العربية والإسلامية، والمتمثل في التقدم الذي تعرفه البشرية مقابل حالة التخلف التي تعيشها هذه المجتمعات، معتبراً أن تجاوز هذا الوضع يقتضي امتلاك “عدة نظرية” قادرة على إحداث قطيعة بين ما لم يعد صالحاً لزمن اليوم وما يمكن أن يؤسس لنهضة فكرية جديدة، على غرار ما وقع في أوروبا.
وفي السياق ذاته، اعتبر الرميشي أن الرواية تظل الوسيلة الأنسب لتمرير هذه المفاهيم المعقدة بطريقة بسيطة وسلسة، مشبهاً العملية بزرع بذور داخل وعي القارئ حتى تنمو تدريجياً. وأوضح أن الكثير من المفاهيم المتداولة داخل المجتمع يتم التعامل معها بسطحية كبيرة، رغم أنها تحتاج إلى تراكم معرفي وفلسفي لفهمها الحقيقي، من قبيل مفاهيم الحرية والدولة والهوية.
كما انتقد المتحدث تأثير الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي على الإنسان المعاصر، معتبراً أنها خلقت نوعاً من الازدواجية بين الوجود الواقعي والوجود الافتراضي، وطرحت أسئلة جديدة حول معنى الحقيقة والهوية والوجود الإنساني نفسه، وهي الأسئلة التي قال إنها حضرت بشكل غير مباشر داخل روايته الجديدة.
وفي تقييمه للنسخة الحالية من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، أشاد الرميشي بمستوى التنظيم، مؤكداً أن المرافق والأروقة والمسالك والخدمات كانت في المستوى المطلوب، غير أنه انتقد في المقابل أسعار الكتب، معتبراً أن عدداً من دور النشر لم تقدم تخفيضات حقيقية رغم الطابع الدولي للمعرض وكثرة الزوار.
وقال إن الزائر يأتي إلى المعرض بهدف اقتناء الكتب واكتشاف عناوين جديدة، وليس فقط من أجل “الفرجة”، مضيفاً أن استمرار بيع الكتب بنفس أسعار المكتبات يفقد المعرض جزءاً من قيمته بالنسبة للقراء، خاصة في ظل تكاليف التنقل والازدحام التي يتحملها الزوار من أجل الوصول إلى فضاءات المعرض.