بعد أربع سنوات من “الحرب الباردة” والدبلوماسية المتوترة، بدأت ملامح انفراجة نهائية في العلاقات الجزائرية الإسبانية تلوح في الأفق، معلنةً طي صفحة الأزمة التي اندلعت ربيع سنة 2022.
وتأتي هذه العودة “الطبيعية” للعلاقات في وقت حافظت فيه مدريد على موقفها التاريخي والسيادي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لتسوية نزاع الصحراء، مما يشكل اعترافاً ضمنياً بمحدودية أدوات الضغط التي وظفتها الجزائر طيلة سنتين.
وظهر هذا التحول الجذري في لهجة قصر المرادية من خلال تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال افتتاح الدورة الـ57 لمعرض الجزائر الدولي، حيث نالت إسبانيا صفة “ضيف شرف”. تبون أشاد بما وصفه بـ “العودة السريعة للعلاقات إلى حالتها الطبيعية”، معتبراً أن اختيار إسبانيا يجسده “المنطق والقلب”، في إشارة واضحة إلى رغبة الجزائر في تجاوز تداعيات قرار رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (مارس 2022) المؤيد لمغربية الصحراء.
تعليقاً على هذا التطور، أكد سعيد بوشاكوك، الباحث المهتم بقضايا التنمية والمجال، في تصريحه لـ”فبرايركوم”، أن الجزائر “استنفدت مختلف أوراق الضغط السياسية والاقتصادية لإرغام الحكومة الإسبانية على التراجع، لكنها لم تحقق أهدافها”.
وأوضح بوشاكوك أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً؛ إذ تأكد أن موقف مدريد ليس “توجهاً ظرفياً”، بل هو “خيار سيادي واستراتيجي للدولة الإسبانية”.
وأضاف الباحث أن لجوء الجزائر إلى “توظيف ورقة الطاقة والغاز في خلاف سياسي” أتى بنتائج عكسية، حيث بعث برسائل سلبية للشركاء الأوروبيين، مما مسّ بعنصر “الثقة والالتزام بالتعاقدات”، وهو أحد أهم مرتكزات العلاقات الدولية.
ويرى المتحدث ذاته أن العودة التدريجية للعلاقات، التي شملت إعادة السفير الجزائري واستئناف التجارة، تعكس إدراكاً جزائرياً بعدم جدوى سياسة التصعيد.
وبحسب بوشاكوك، فإن السلطات الجزائرية انتقلت من “منطق المواجهة” إلى “منطق تغليب المصالح الاقتصادية”، تجنباً لمزيد من العزلة الإقليمية والدولية.
هذا التحول يأتي في سياق دولي يتسم بزخم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، خاصة بعد القرار الأممي رقم 2797 الذي يعزز المسار السياسي الواقعي.
ويشير بوشاكوك في هذا الصدد إلى أن إسبانيا، بوزنها التاريخي والسياسي، شكلت “محطة مفصلية” في تطور هذا الملف، وأن عودة العلاقات إلى طبيعتها هي إقرار باستحالة تغيير الموقف الإسباني عبر الضغوط الدبلوماسية.
إن اختيار إسبانيا ضيف شرف في معرض الجزائر الدولي يتجاوز، حسب التحليلات، البعد الاقتصادي الصرف، ليحمل دلالات سياسية عميقة تهدف إلى إعادة بناء الجسور مع مدريد. وبذلك، تخرج إسبانيا من هذه الأزمة رابحةً على المستويين: الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب، واستعادة علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر، دون أن تقدم أي تنازل في موقفها من قضية الصحراء المغربية.
وبهذا يغلق الستار على واحدة من أكثر الأزمات الدبلوماسية تعقيداً في حوض المتوسط، معلنةً انتصار “الواقعية السياسية” والمصالح الاستراتيجية الكبرى على لغة التشنج والضغط الاقتصادي.