قدمت الروائية الفرانكو-مغربية ليلى سليماني رؤية مغايرة لدور الأدب في العصر الحديث، معتبرة أن قوة الكلمة تكمن في قدرتها على زعزعة استقرار القارئ، بعيداً عن “سجن” الهويات الضيقة وصفد “الخوارزميات” الرقمية التي تحاول تسوية الفروق بين البشر.
الأدب في مواجهة “ديكتاتورية” الخوارزمية
استهلت سليماني حديثها بالدفاع عن “المشترك الإنساني”، مستحضرة مقولة أنطون تشيخوف بأننا “رجال وبشر قبل أن نكون مصرفيين أو روساً أو تتاراً”. وأوضحت أن الأدب هو الجسر الذي يجعل القارئ يرى نفسه في شخصية روسية من القرن التاسع عشر، لأن “الإنسانية هي الجوهر”.
وفي مقارنة حادة، شنت سليماني هجوماً على العالم الرقمي، مؤكدة أن “مبدأ الخوارزمية هو نقيض الأدب؛ فهي تسعى لتسوية الفروق وتقديم ما يتوقعه المستخدم سلفاً، لتعظ المؤمنين بأفكارهم أصلاً”. أما الأدب، في نظير سليماني، فوظيفته هي “الإزعاج” وإخراج القارئ من تحيزاته اليومية، وفتح حوار غير متوقع مع المجهول.
لست “نبيّاً” ولا “ساعي بريد”
وبنبرة ترفض الوصاية، استعارت سليماني مقولة نابوكوف الشهيرة: “أنا لست ساعي بريد لكي أوصل رسائل”. وأكدت أنها لا تملك رسائل جاهزة لأحد، محذرة الشباب من الانقياد وراء من يملون عليهم كيف يفكرون أو يلبسون.
وقالت سليماني: “رسالتي هي أن تحذروا من الحذر.. لا تستمعوا إليّ، كونوا أحراراً واصنعوا تجاربكم الخاصة”. ورفضت الروائية أن تُصنّف بناءً على لون بشرتها أو جنسيتها، مؤكدة أنها حين تكتب، تتحدث إلى “بشر بوجوه” وليس إلى “هويات إحصائية”.
فلسفة العيش “بين كرسيين”
وعن قضية الهوية المختلطة أو “التهجين”، أوضحت سليماني أن العيش بين عالمين ليس مجرد حالة عرقية (بين المغرب وفرنسا)، بل هو حالة إنسانية مستمرة: “نعيش بين طبقات اجتماعية، وبين عالم الرجال وعالم النساء، وعالم الكبار والأطفال”.
واستحضرت نصيحة الروائي سلمان رشدي لها حين قالت له إنها تشعر وكأنها تضع قدماً في كل جانب، فأجابها: “اكتبي في تلك المساحة الواقعة بين الكرسيين، فالفراغ هناك مثير للاهتمام تماماً كالمرتبة”. وأكدت أن هذا “المابين” هو المكان الذي يحاول فيه الفنان مراقبة الحياة بعيداً عن صخب “مباريات كرة القدم السياسية” التي تجبر الناس على الانحياز لجهة دون أخرى.
عنف الاندماج و”تضحية” حورية البحر
وفي تحليل عميق لمفهوم “الاندماج”، استخدمت سليماني استعارة “حورية البحر الصغيرة” من قصص أندرسن؛ حيث تضحي الحورية بصوتها من أجل الحصول على ساقين للانتماء لعالم البشر. وأوضحت أن الرغبة القسرية في الانتماء قد تؤدي إلى فقدان شيء جوهري من الذات.
وانتقدت سليماني “العنف الضمني” في بعض مظاهر القبول الاجتماعي، مشيرة إلى أغنية فرنسية شعبية تقول “هي واحدة منا لأنها شربت كأسها مثلنا”، معتبرة أن هذا النوع من القبول هو في الحقيقة قرار من “الآخر” وليس اعترافاً بالفرادة.
وختمت ليلى سليماني بوحها بالتأكيد على أن الكاتب ليس “سفيراً” ولا “متحدثاً رسمياً” باسم بلده أو هويته، بل هو كائن يكتب غالباً “ضد” تلك القيود، مدافعاً عن حقه في أن يكون مختلفاً، وحقّه في العيش في تلك المساحات الرمادية التي ترفض وسائل الإعلام والخطاب السياسي الاعتراف بوجودها.