اعادة كتابة وتنقيح مجلد الاستقصا، قصة قديمة لمهتم بالذاكرة والوفاء لبعض الناس. كان الاستاذ عبد الصمد بلكبير تلميذا، حينما كان الكاتب والمؤرخ والسياسي الحبيب الفرقاني، يتحدث عن رغبة دفينة في إعادة كتابة مجلد الاستقصا، بشكل يجعله سهلا، بسيطا، ومهذبا، أقرب للطالب الجامعي والباحث والسياسي وفي متناول الجميع.
ظل الاستاذ بلكبير يشعر بدين اتجاه الرجل، أشبه بوديعة. ظل الفرقاني يردد: » الاستقصا يتضمن كل شيء عن تاريخ المغرب، ينقصه فقط من يقوم بتهذيبه ويزيل منه كل الشوائب… » روى صاحب كتاب الاستقصا الاحداث، باقصى ما يمكن من التجرد والتعاقب وشبه موضوعية عما حدث في تاريخ المغرب، وأهميته تتجلى في عدة أسباب، من بينها أنه مؤرخ متنور. ثم إنه يظل، أي الناصيري « ولد الدولة «، بحكم أنه اشتغل بدار المخزن، ثم إنه يعود مرات للاستشهاد بابن خلدون. يقول الأستاذ بلكبير، كما توضّح رسالة سبق أن وجهها إلى وزير الثقافة وأوردها في ملحق الجزء الأول من الكتاب، أنه رغم أن مادة كتاب “الاستقصا” جامعة، وأمْيَلُ إلى الموضوعية واحترام المادة التاريخية ووجهات النظر المختلفة في الموضوع، إلا أنه تتخلّله “جملة عيوب بالنسبة إلى حاجيات القارئ العادي وغير المختصّ »

يضيف الأستاذ بلكبير: » لقد اليت على نفسي، أن اشذب المجلد، بحيث حدث أن حذفت منه قصيدة لسان ابن الخطيب،التي يقدمها كما هي في ستة صفحات مثلا، وأزلت الألقاب، بحيث حينما يتحدث عن الأشخاص يتحدث عن اسمه واسم والديه ويعود للعديد من أفراد الشجرة، ويعود في بعض الرسائل السلطانية إلى صفحات طويلة، ترهق المتتبع وقد تشتت أفكاره. لقد ازلت المقدمة الاسطورة، التي فيها يتحدث عن بداية البشرية وعن نوح، وبدات بنسب البربر «
ويتناول الجزء الأول من الكتاب المختصَر تاريخ الأدارسة والمرابطين والموحدين، ويفتَتِحُه “جرد تعاقُبيٌّ بأهم أحداث تاريخ المغرب”، وجرد عام لأهم الحكام الذين حكموا المغرب الكبير والأسر التي تعاقبت عليه.
ويركز الأستاذ بلكبير في المحور الخاص بالفتح الإسلامي على انطلاق بعوث الاستطلاع الإسلامية لجهة المغارب، ثم مرحلة تولِيَة عقبة بن نافع، وبداية الصدام مع أهل المغرب بزعامة كسيلة، ثم مقتل عقبة على يد جيوش كسيلة، ومقتل هذا الأخير، فهزيمةِ المسلمين أمام جيوش دِهْيا المعروفة بالكاهنة، ثم فترات الإدارة الأموية، والفتح المغربي للأندلس، والإدارة الإدريسية، وفترة التفكّك وسيادة الفوضى بعد تقسيم أقاليم الدولة الإدريسية بين أبناء المولى إدريس، وصولا إلى الإدارة المرابطية التي عرفت “ترسيخ بناء الدولة المركزية المستقلة”، والإدارة الموحدية، فالإدارة المرينية.
وينطلق مختصر الاستقصا في الحديث عن أصل أمازيغ شمال إفريقيا في محور “نسب البربر وبيان أصلهم”، ويذكر في “تقسيم قبائل البربر” أنهم كانوا “أمة عظيمة قد ملأت ما بين برقة والبحر المحيط شرقا وغربا، وما بين بلاد السودان والبحر الرومي جنوبا وشمالا..”، ويتناول في محاور أخرى مثل: “المغاربة قبل الإسلام وبعض أمصار المغرب القديم” أديانَ الأمازيغ المجوسية، واليهودية، أو تديّنهم “بدين من غلب عليهم من الأمم..في بعض الأحايين”.
ومن بين مواضيع الجزء الأول من “مختصر الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” تحديد ما يعنيه لفظ المغرب، والممالك التي كان يشملها والقبائل التي قطنت دولَه، وذكر حال المغاربة بعد الإسلام والوُلاة الذين وُلّوا عليهم، وإيراد أسماء من دخل المغرب من الصحابة؛ كما يثير الحديث عن فتح المغرب وهل تم عنوة أم صلحا، أو غير ذلك.
ويؤكد الأستاذ بلكبير: » إن ما قمت به ليس سابقة، إنه تقليد معروف في العديد من الدول، بحيث ليس غريبا أن تقرأ عن رولان بارت الأصلي، وعن تلخيص رولان بارت الذي حضر خصيصا لخادمات البيوت ليتعلمن منه، وأن تسمع عن ملخص الملخص ».

