الشعب المغربي على مر التاريخ، عُرف بتضامنه وتكافله في جبهة واحدة لمواجهة الأزمات التي هددت استقرار البلد وأمنه ووحدته.
إلا أن هذا الوجه من التضامن شهد نوعا من الأفول في الآونة الأخيرة مع ظهور مشاكل اجتماعية وحقوقية، وفي ظل الأزمة الصحية التي نزلت على العالم بسبب تفشي فيروس كورونا، عاد المجتمع المغربي ليأكد مرة أخرى على تآزره وتلاحمه في المحن والشدائد..
هذا التضامن المغربي في زمن كورونا، لا يعني فقط التضامن بالمال أو المساهمة في صندوق تدبير جائحة كورونا، بل الكل ساهم من موقعه في سبيل إنقاذ الوطن من ويلات هذا الوباء، سواء مؤسسات الدولة أو بعض من أغنياء الوطن الذين ساهموا ببعض الملايين، ثم الباحثين الذين ساهموا في استمرار الدورة التعليمية والنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي.
في هذا الحوار المفصل والمتنوع من برنامجنا اليومي “دردشة مع فبراير على هامش كورونا”، نستضيف الباحث الأكاديمي في القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء الدكتور عتيق السعيد، المحلل السياسي، المهتم بقضايا المجتمع.
بداية الدكتور عتيق السعيد، نشكرك على مرورك معنا في هذه الحلقة من برنامجنا الحواري …
-
هل كان لا بد أن يجتاح المغرب في هذه المرحلة لنرى كل هذا التضامن الوطني بين مؤسسات الدولة والشعب لمواجهة الأزمة الصحية؟
بداية، أشكركم على الدعوة ورمضان مبارك لكم ولكل القراء الكرام؛
أولا، لابد من الأخذ بعين الاعتبار أن طبيعة المجتمع المغربي، تضامني اجتماعي مترابط بشكل كبير، تجمعه عادات وتقاليد وأعراف تشكل النواة المركزية لقيم التضامن والتكافل والتآزر، والتي تعتبر نظام تأمين تماسك المجتمع منذ القدم، كلها نجدها حاضرة بشكل قوي في مختلف الكيانات بداية من الفرد داخل بنية الأسرة مرورا بالجماعات السكانية بالقرى والبوادي والمدن، وعبر مختلف الظروف الاجتماعية، وبالتالي هي قيم مجتمعية راسخة في بلادنا عبر العصور، تقوم على أساس التعاون والسند الاجتماعي في مختلف الظروف، التي تدل على أن التضامن يعتبر قيمة راسخة ومتجذرة في الثقافة المغربية، على امتداد تاريخ المغرب.
وبالتالي لا يمكن أن نربطها فقط بإطار الأزمة الوبائية الحالية، لكن يمكن القول إن هذه الأزمة الاستثنائية والعصيبة وغير المسبوقة، التي تمر منها بلادنا شكلت مساحة مفتوحة الأفق لإبراز ما يعرفه المغرب بكل مكوناته من مبادرات تضامنية واسعة النطاق جعلت بلادنا تعرف سيلا من المبادرات والإجراءات التضامنية الفريدة التي تعكس من حجم الأزمة الوبائية العالمية، ومن جهة أخرى أثارها وتداعياتها في مختلف المجالات.
في الحقيقة جائحة كورونا أفرزت وضعا غير مسبوق واستثنائي تمر منه بلادنا، هذه الأخيرة تفالت مع الأزمة بما إنطوت عليه من دروس بالغة الأهمية في الصبر واتخاذ القرار في الوقت والمكان المناسب، وحشد الإرادة وجمع الصفوف والتنفيذ الآني والمستعجل للقرارات، وبناء نموذج قوي من التوحد والاصطفاف، كلها شكلت صورة واضحة لمعالم التلاحم الوطني، الواعي والمسؤول، وأحسن تعبير عن التلاحم القوي بين مختلف أطياف المجتمع، كما أكدت بالدليل، قدرة المغاربة بكل ما ملكت أيمانهم من قيم التضامن الاجتماعي، ملكا وشعبا، على رفع التحديات التي تواجه الأمة كيفما كانت، ولعل تاريخ المغرب في محاصرة الأوبئة يشهد على أن المجتمع المغربي استطاع عبر مختلف الظروف تحصين النسيج المجتمعي والخروج منها بشكل أكثر قوة وتماسكا.
وجدير بالذك أن مجتمعنا في هذه الفترة قدم دروسا في التضامن المجتمعي جعلته يتموقع ضمن مصاف الدول على صعيد العالم، التي اعتمدت إجراءات وتدابير حاسمة من أجل إبطاء توسع انتشار فيروس كورونا المستجد في البلاد، مجهود كبير تقوم به الدولة بمختلف أجهزتها من أجل ردع انتشار الجائحة، ما يستلزم فقط هو الإلتزام التام والجدي بالمكوث في البيوت وتجنب الاختلاط والتجمعات لسلامتنا جميعا.
في نظرك، هل التضامن الذي شهده المغرب في عز الأزمة الصحية، سيعاود ترتيب علاقة الثقة بين المواطن والحكومة؟
ساهمت أزمة كورونا الجائحة في جعل العالم قرية صغيرة، بحيث أصبح الكل يعيش تقريباً نفس الظروف لا من حيث حالة الطوارئ الصحية، أو من خلال التسارع في اتخاد حزمة من الإجراءات الوقائية والاحترازية، لردع انتشار الوباء المستجد، هذا الأخير أكد بالملوس انه مهما بلغت الحضارات من التطور والنمو الاقتصادي وغيره من سمات العصرنة والتحديث، فإن قوة تماسك المجتمع وتلاحمه وترابطه في مواجهة الأزمات تبقى هي اللبنة الأساس للخروج منها بأقل الأضرار.
إن ما يعرفه المغرب اليوم من اتخاذ تدابير وقائية عبر مجموعة من الإجراءات الموازية والاستباقية لمعالجة الأزمة الوبائية، جعلته يعيش ثورة وطنية تضامنية مكتملة الأركان يقودها جلالة الملك، والشعب بكل أطيافه بغية تحصين الدولة من مخاطر هذه الجائحة العابرة للحدود، وبالتالي فكل هاته المبادرات والإجراءات التي صاحبت هذا الوباء العالمي، سيجعل الدولة مقبلة على مجموعة من المتغيرات والتحولات في مختلف القطاعات ولاسيما القطاعات التي أسميها -ثلاثية الأبعاد الاجتماعية- وهي الصحة والأمن والتعليم، كما أنه ستشهد بنيات المجتمع تغير في أنماط العيش بحيث ستتقوى بنية الأسرة وأدوارها، وبالإضافة إلى رابط الثقة الذي سيزداد مثانة بين المواطن والمؤسسات حيث إن الوضع الحالي برهن على عودة الثقة بشكل ملموس وقوي في السياسية وفي المؤسسات.
المغرب مقبل على إكراهات مرتبطة بإعداد نموذج تنموي جديد يتماشى ويساير هذه التحولات غير المسبوقة، عموما مغرب ما قبل كورونا ليس بمغرب ما بعدها، وحتما هذه الازمة الوبائية ستجعل المغرب يتحول نحو نهج طريق إصلاحي شامل ودقيق للقطاعات الأساسية، ولطرق تحصين الدولة من هاته الحروب غير المرئية جراء الأوبئة.
كيف تجدون المبادرات التي أمر بها الملك وأنزلتها الحكومة على أرض الواقع لردع انتشار الوباء؟
الملك محمد السادس نهج حزمة من الإجراءات الموازية وكذلك الاستباقية لردع انتشار الوباء، عمادها حماية صحة المواطن كأولوية كبرى ترجمت في العديد من المبادرات، غلق المعابر الحدودية بشكل كامل يضمن منع الاختلاط ومن دخول البلاد، سواء للذين قدموا من المناطق التي انتشر فيها الوباء أم من مناطق آخرى، للحد من انتشاره، وإعلان حالة الطوارئ الصحية لتفادي الاختلاط المفضي للانتشار العدوى، أيضا العفو الملكي على مجموعة من السجناء في خطوة إنسانية أدخلت البهجة لقلوب عشرات الأسر مراعاة لوضعهم الصحي، وإحداث صندوق مكافحة كورونا، الذي شكل مساحة واسعة للتضامن المجتمعي لمختلف الفاعلين بالقطاع العام والخاص، ضخ موارد مالية فاقت إراداتها كل التوقعات هدفه ضبط التأثيرات السلبية لفيروس كورونا على شرائح واسعة من المجتمع المغربي.
وبذلك بلدنا اكتسى ثوبا جديدا من التضامن يعكس قيمته الريادية التي تنهض به عبر التاريخ الطويل والمجيد، الذي كان له الأثر الأكبر في استقرار وقوة الكيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي للدولة.
المغرب يشهد سيلا من المبادرات الإنسانية الفريدة في حمولاتها ودلالاتها، أمنيون يتبرعون بدمائهم للمواطن، مخترعون يتسابقون على الابتكار الصحي من خلال اختراع آلات لضخ الأوكسجين، وأبواب معقمة للمارة، ومن جهة أخرى اقتصاديون أمام وتيرة إنتاج لكمامات تصل إلى تسعة ملايين كمامة في اليوم الواحد، عسكريون يشيدون مستشفيات كاملة المرافق في أقل من أسبوع، إنها ثورة تضامنية واسعة النطاق، تنضاف إلى سلسلة من المبادرات التطوعية لجميع فئات المجتمع، هذا الأخير عبر عن الوعي بأهمية الحجر الصحي والمكوث في المنازل لتفادي مخاطر الاختلاط، كلها تعبر عن قيم التضامن بامتداداتها الاجتماعية والاقتصادية.
كما لا يفوتني الإشارة إلى أن المغرب كان سباقا على مستوى دول القارة في دعوة قادة الاتحاد الإفريقي إلى إعداد إطار عملياتي لمواكبة الوباء بأفريقيا، مبادرة الملك تعبر على ان المغرب متضامن مع دول القارة في جميع الظروف العصيبة.
كيف تتصور فاتورة الجائحة على كافة المستويات والمجالات بالمغرب ما بعد كورونا؟
مسألة الفاتورة أو التكلفة يجب تجاوز التفكير فيها حاليا لعدة أسباب، كون بلادنا لازالت تعيش في ظل الأزمة الوبائية، أي نعم الوضع في تحسن ملموس وفي سيطرة شبه تامة على انتشار الوباء وأثره على النسيج المجتمعي، إلا انه رغم هذا التطور الايجابي الجيد فإن الأزمة لازالت مستمرة وأي تقييم للوضع يصعب حاليا لأن كل الامكانيات والفرضيات مفتوحة ولا يمكن التكهن بها بشكل استباقي. وبالتالي الهدف حاليا هو القضاء على الوباء ورجوع الحياة لطبيعتها، اما التكلفة فالأزمة هي أزمة عالمية شملت معظم دول العالم، وتمس في العمق أكبر اقتصاديات العالم، وبالتالي الفاتورة لن تقتصر على بلد او قارة ستكون شاملة للدول وأنذاك سيعرف العالم تحولات غير مسبوقة وسيتغير تفكير الحكومات واهتماماتها إلى أمور كانت قبل الجائحة لم تأخذ مكانتها وقيمتها، وبالتالي مهما كانت فاتورة المجتمعات قادرة على الرجوع والانتاجية والنمو والتنمية حيث الأساس هو سلامة الرأسمال البشري من الوباء.
-
هل ستسهم أزمة كورونا في اعادة التفكير في اعتماد آلية التعليم عن بعد ما بعد كورونا؟
مبادرة التعليم عن بعد بالمغرب في عز الأزمة الصحية، قدمت فرصة لاستمرارية العملية التعليمية في المنزل، ودون المساس في عدد أيام التمدرس، وبالتالي يسعى هذا التوجه التعليمي الى بقاء الأطفال والطلبة في المنازل بسبب تفشي فيروس كورونا، لكن بالموازاة مع هذا المكوث الاضطراري لا يعني أن يكفوا عن التعلم في مختلف المستويات، حيث يمكنهم متابعة الدروس عبر مختلف الوسائط التواصلية البديلة كما ان الأهل يتحولون إلى مرتبة المعلم الأول الأقرب للأبناء في الإرشاد، لما يقدمونه من دعم ومواكبة أبناءهم بشتى الطرق لتيسير هذه العملية أو لتحفيزهم على الدوام عليها.
حقيقة ساهمت ازمة انتشار جائحة كورونا عبر العالم في إعادة التفكير في أهمية استمرارية التمدرس عن بعد، يمكن استثمار هاته المبادرة ما بعد أزمة كورونا حيث يمكن استثمار هذه الآلية التعليمية، وأيضا هي فرصة لإعادة التفكير في طرق الاستفادة من وسائل التكنولوجيا في مجال التعليم، حيث تتيح هذه الخطوة رغم انها مرحلة انتقال منظومة التعليم نحو إحداث تغيير جذري في مشروع التعليم الإلكتروني المستدام والتوجه نحو طرق الابتكار الرقمي. جيل جديد من آليات التعليم سيمكن من تبسيط المناهج التعليمة وفق برامج تكون خارج أوقات الأزمات مثلا ما يقع حاليا من خطط لمكافحة الوباء، وهنا نستحضر استفادة الأطفال من هذه الخدمات الإلكترونية سواء في أيام الإضراب، أو حينما يكون هناك نقص في الأطر التربوية لتعويض الأساتذة، وأيضا هي فرصة لاستفادة مجموعة من الفئات كالنساء الحوامل؛ وغيرهم من الفئات التي تجد صعوبة في الحضور أو تتبع البرامج التعليمية بنمطها العادي.
يمكن أيضا من خلال هذه الآلية تيسير بشكل فعال التفعيل السليم لنظام البكالوريوس الذي برمجت انطلاقته ابتداء من الموسم الجامعي المقبل، وهنا لابد أن نسعى بشتى الطرق المتاحة إلى تجويد هذا المشروع التعليمي الجديد والهادف، بحيث إن إمكانية برمجة تقنيات التعليم الإلكتروني أصبحت حاضرة بقوة لاسيما في تبسيط المحاضرات وجعلها تنتقل من الافتراضي إلى الواقعي. إن إشكالية التعليم عن بعد آلية خدومة للمجال كما ستعمل على إبرام شراكات مع مختلف الجامعات خارج النسق الوطني وأيضا الشراكات مع شركات عالمية في مجال الرقمنة، والاستفادة من تراكمات خبراتها في هذا المجال الداعم بشكل أساسي التعليم عن بعد.
وجدير بالذكر أن دول عديدة كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية سارت في هذا التوجه العلمي لاسيما في نظام البكالوريوس، إجراءات ستساهم في تجويد وتطوير البكالوريوس المغربية ونموذج مميز في الانظمة التعليمية على الصعيد العربي، والقاري وستكون أول تجربة حقيقية وواقعية لتقييم وضع التعليم الإلكتروني ببلادنا ومدى فعالية برنامج لإدماج تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وكذا فرز أجود الحزم التعليمية والموارد الرقمية والتطبيقات الجوالة التي ستنال رضا الطلبة والتلاميذ والأطر التربوية والآباء أثناء محنة كورونا و ما بعدها.
سؤال أخير، كباحث أكاديمي ومحلل سياسي، كيف تقضي فترة الحجر الصحي، وماهي نصائحك للشباب للاستثمار في هذه الفترة خاصة الشباب الباحث بالجامعات؟
لعل فترة الحجر الصحي التي نعيشها حمالة مواقف واحداث كثيرة ستبقى حتما خالدة في الذهن، اختلفنا او توافقنا في برامجنا اليومية/الذاتية في فترة الحجر الصحي، إلا اننا نعيشها بكثير من الوعي بأهميتها والمسؤولية و التضامن والتآزر، كما أن التأقلم مع الوضع الذي تعرفه بلادنا والتكيف مع متغيرات الانشطة اليومية هو ما أحرص عليه لجعل حياتي في هذا السياق المؤقت والعصيب أكثر اريحية واستمرارية، حيث اعاين الواردات من البريد والتفاعل مع المراسلات، اتفاعل مع الطلبة حيث خصصنا فترات يومية للتواصل بشكل جماعي تفاعلي عبر مختلف الوسائط التواصلية والمنصات، احرص على المساعدة في تيسير وتبسيط آلية التعليم عن بعد، تفاعل يشحنني بالطاقة والايجابية لأنني أومن اننا مطالبون بالتعاون والتضامن وهو نبراس لكل مواطن محب لوطنه وان الوضع الاستثنائي يستلزم الحس الوطني والتلاحم المجتمعي لجعل هذه الفترة العصيبة تمر تاركة فينا شعورا بالفخر للانتماء لهذا الوطن العزيز.
فترة الحجر الصحي ارجعتني لنبش ذاكرة البعد عن الأهل اثناء فترات الجامعة وما صقلت فيّ من روح الاعتماد على الذات وغيرها من الأمور المنزلية التي اعتاد شاب القيام بها بمعزل عن الاسرة لسنوات طويلة.
اعتاد قراءة الكتب سواء ذات الارتباط بمجال التخصص او بمجالات أخرى، كما اتتبع الوضعي الصحي لبلادنا من خلال الندوات الصحفية لوزارة الصحة، مستجدات اتابعها عن كثب من خلال قناة ومواقع وكالة المغرب العربي للأنباء. كما مكنتني فترة الحجر الصحي من ان استفيد من خلوة مع الذات وان انغمس في تقاليد وعادات أسرية كنت مشغولا عنها او بتعبير أدق مشوشا عن الاهتمام بها، كما مكنتني هاته الفترة من ان احسن التدبير الزمني للعمل باليوم، وان اهتم بتفاصيل كثيرة داخل المنزل، كما جعلتني اكثر اهتمام بأصدقائي وزملائي وكل من هم محاطون بي، لأننا في هذه الفترة العصيبة اصبحنا اكثر تواصل من ذي قبل.