مرت حوالي ثلاثة أشهر من تجربة التعليم عن بعد التي خاضتها كل المؤسسات التعليمية ببلادنا في ظل اجتياح وباء كورونا الذي فرض حالة  طوارئ صحية، فرضت معها حجرا صحيا لكل البلاد،  وإلغاء التجمعات كيفما ما كانت، بما فيها إلغاء الدروس الحضورية بالمؤسسات التعليمية.

ولاستدراك عملية التعليم لموسم 2019-2020 في ظل الجائحة التي هزّت العالم، بادرت وزارة التربية  وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، في تفعيل عملية التعليم عن بعد لاستكمال ما تبقى من الموسم الدراسي لكل المستويات، من الابتدائي إلى التعليم الجامعي.

التجربة القصيرة أبانت عن مستجات عدة، قد يتم تفعيلها في المستقبل القريب للنهوض بمنظومة التعليم، العمومي والخصوصي،علما أنها لقيت تفاعلا إيجابيا من طرف البعض، وانتقدها البعض الآخر نظرا لتأخر المغرب في اعتماد التكنولوجية في المنظومة التعليمية.

في هذا الحوار نقف على تجربة التعليم الجامعي عن بعد خلال أزمة كورونا، من خلال أسئلة محورية يجيب عنها رشيد باجي، أستاذ جامعي عايش تجربة أجنبية بحكم استقراره بشمال أمريكا وإلقائه محاضرات في جامعاتها، كما أنه أستاذ يلقي محاضرات بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق.

حدثنا عن تجربتك في التعليم عن بعد من خلال إلقاء محاضرات عبر اليوتيوب؟

للأسف الشديد وكما حدث في أغلب دول العالم، فاجأتنا هذه الجائحة وتم توقيف الدراسة بشكل اضطراري ومفاجئ ،  ولم نكن على أتم الاستعداد للتعامل مع هذا الحدث، كما أننا لا نمتلك الوسائل الكافية للتعليم عن بعد ولم يسبق لنا القيام بتجارب في هذا المجال، وقد أربك هذا المتغير أغلب أساتذة الجامعات، حيث اختلفت كيفية التعامل مع الحدث من أستاذ لآخر، فهناك من قام بإعطاء محاضرات عبر تسجيل أشرطة فيديو أو التواصل المباشر مع الطلبة عبر المنصات الرقمية التي خصصتها الجامعات أو عبر وسائط التواصل الاجتماعي، والبعض الآخر عمل على إنجاز تسجيلات صوتية، في حين أن مجموعة أخرى من الأساتذة لم يسعفها الحال واكتفت بالمطبوعات.

وبالنسبة لي شخصيا فقد سبق لي أن تلقيت تعليما عن بعد في بعض المواد أثناء دراستي خارج أرض الوطن، حيث لامست عن قرب مزايا هذا النوع من التعليم، فالطالب يتلقى دروسه في المنزل، بعيدا عن التقيد بالمظاهر الشكلية للمؤسسة ودون معانات التنقل، وانطلاقا من هذه التجربة انخرطت في عملية التعليم عن بعد في شكلها الحالي دون تردد. كما أن اقتناعي أن الصورة ذات تأثير إيجابي أكثر من الوسائل الأخرى، جعلني  أقدم على تسجيل محاضراتي في أشرطة فيديو ووضعها على موقع رفع الفيديوهات(يوتيوب) وعلى المنصة الإلكترونية للكلية، كما تم بث البعض منها على قنوات الإذاعة والتلفزة المغربية.

هل لمستم تفاعل إيجابي للطلبة مع المحاضرات عن بعد أم العكس؟

يجب أن نعرف أن الجيل الحالي يتعامل بشكل كبير مع الشبكة العنكبوتية، حتى إنها أصبحت لدى البعض الملاذ الذي يقضون فيه أغلب أوقاتهم، ولاسيما موقع اليوتيوب الذي أصبح يضم الملايين من القنوات في كل المجالات، ولهذا فإن تلقي فكرة إلقاء المحاضرات عبر هذا الموقع لم يكن أمرا مستهجنا أو جديدا في حد ذاته، والأكثر من ذلك أن الطلبة كانوا سباقين خلال التواصل معي، باقتراحهم تسجيل المحاضرات في أشرطة فيديو ووضعها على قناة خاصة بي على موقع اليوتيوب. وبالفعل بمجرد وضع أول محاضرة تَعدت المشاهدة 80 بالمائة من عدد الطلبة المسجلين وتم إرسال العشرات من الأسئلة حول الموضوع المتناول، التي أجبت عنها كلها في حينها. وهذا خير دليل على مدى استحسان الطلبة للتعليم عن بعد بهذه الطريقة بالرغم من ارتجاليتها وغياب الإمكانيات المادية بالنسبة للأستاذ والطالب.

كأستاذ جامعي، هل تفضل الانتقال بالتعليم الجامعي إلى تعليم عن بعد، أم تفضل المحاضرات الحضورية؟

حتى نكون صرحاء، ما نقوم به ليس تعليما عن بعد متكامل الشروط، بل هو بالأحرى حلول ترقيعية لإدارة أزمة، لأن التعليم عن بعد المتعارف عليه في الجامعات العريقة، لا يتم بهذه الطريقة، ولا يمكن أن يكون ناجعا في ظل غياب أبسط الوسائل الضرورية للعمل، حيث لا يعقل أن يسجل أستاذ محاضرة بواسطة هاتفه المحمول.

التعليم عن بعد في جل الدول، أصبح ضرورة لا مناص منها، وبالنسبة للمغرب فقد يكون حلا لعدة معضلات، أهمها الهدر الجامعي الذي يكلف الدولة حوالي ثلاثة ملايير و700 مليون درهم، حيث ينقطع عن الدراسة ما يزيد عن 47 بالمائة المسجلين دون الحصول على أي شهادة جامعية.  كما أنه في تخصصات معينة كالقانون والاقتصاد لا تتجاوز نسبة الحضور في المدرجات 30 إلى 40 بالمائة لاسيما في السلك الأول، في حين أن عدد الطلبة المسجلين يعد بالآلاف، مما ينعكس على نسبة الإشهاد التي لا تتجاوز 15 بالمائة .

لكن يستلزم أن تتم هذه العملية وفق ضوابط علمية وأن لا تخضع للارتجالية، وإلا سنقضي على ما تبقى من مكانة للتعليم الجامعي. كما يستوجب أن يكون التعليم عن بعد وسيلة وليس غاية في حد ذاته من أجل تدبير هذه الأزمة، فالهدف هو الرفع من المستوى المعرفي للطالب عبر منحه فرصة تلقي المحاضرات مهما كانت ظروفه وأينما كان تواجده، حيث إن هناك من الطلبة من يقضي ثلاثة ساعات ذهابا وإيابا في المواصلات ليحضر محاضرة مدتها ساعة ونصف، وأعتقد أن هذا الأمر يعتبر أكبر هدر زمني لمئات الآلاف من الطلبة.

ولكن في المقابل، لا يجب أن  تنقطع صلة الطالب بالجامعة، فيجب المزج بين التعليم عن بعد والحضوري، فإذا كانت مثلا الدروس والمحاضرات الأساسية تلقى عن بعد، يجب أن تقدم الدروس التوجيهية والتطبيقية حضوريا، حيث يكون عدد الطلبة محدود نسبيا.

 هل نجح المغرب في عملية التعليم عن بعد بصفة عامة؟

من أجل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نحدد أي المستويات نريد تقييم التعليم عن بعد فيها، فبالنسبة للتعليم الابتدائي والإعدادي وحتى الثانوي، يستحيل من وجهة نظري أن تنجح فيهم هذه العملية، حيث إن التلميذ لا يتلقى فقط معارف، بل يتحصل على مجموعة من المدارك والمهارات التي يتداخل فيها العلمي والنفسي بالاجتماعي، كما أن التلميذ يحتاج إلى نسج علاقات مع أقرانه حتى يكتمل تكوين شخصيته وإلا سنعيش في مجتمع مصاب بالتوحد.

أما بالنسبة للتعليم الجامعي، فتقييم التعليم عن بعد كمنهج للدراسة بصفة عامة، في هذه المرحلة غير منطقي، لأن الوضع استثنائي والظروف النفسية التي خلفتها فترة الحجر بالنسبة للطالب والأستاذ غير صحية بالمرة. ولكن إن أردنا تقييم هذه العملية في ظل انتشار هذه الجائحة وما خلفته من حالة الطوارئ الصحية والحجر المنزلي، فيجب أن يكون هذا التقييم، بعد فترة الامتحانات حيث يمكننا مقارنة النتائج المحصل عليها هذه السنة مع السنوات الماضية التي ألقيت خلالها المحاضرات حضوريا، ولكن هذا لا يمنع أن نقول إن هناك انطباع لا بأس به من قبل كل الفاعلين والمتدخلين في هذه العملية.

وبالنسبة لموقفي الشخصي، فمن خلال تواصلي الدائم مع مجموعة من الزملاء الأساتذة في مختلف التخصصات وبكليات متعددة، ومتابعتي لما يقدمونه من مجهود كبير، يتضح أن هناك بوادر نجاح هذه العملية في عمومها، بالرغم من النقائص التي فرضتها طبيعة المرحلة.

ماذا ينقص عملية التعليم عن بعد في نظرك، من خلال ما أبانت عنه الجائحة؟

الأكيد أن الجائحة أتت على بغتة وشكلت صدمة لكل صناع القرار، حتى إن مجموعة من زعماء العالم وأثناء عجزهم عن إيجاد حلول لما خلفته هذه الجائحة بدؤوا في تبادل الاتهامات عن سبب هذا الوباء، وهكذا فكل دول العالم لم تكن لديها سياسات وبرامج جاهزة لإدارة هذه الأزمة، والتعليم جزء من المنظومة ككل. وأمام استحضار الأمن الصحي وإعطائه الأولوية قبل أي مجال آخر، كان من الطبيعي أن يحدث نوع من الارتباك، ولكن بعد مرور الوقت وقدرة الدولة على التحكم في الوضع الصحي، بدأ الاهتمام بالقطاعات الحيوية الأخرى ومنها التعليم، والكل قد انخرط بما يملك من إمكانيات لإنجاح هذه العملية في ظل ظروف جد صعبة، حيث لا يمكن أن نتحدث عن نقائص لهذه العملية بدون إجراء تقييم لكل المعطيات، وبعد بداية السنة الجامعية المقبلة يمكن أن نشرع في تعليم عن بعد حقيقي، أما ما نقوم به  حاليا فهو تعليم عن بعد ترقيعي.

 ما هي الشروط التي تراها فعالة للرقي بالتعليم العالي عن بعد؟

كما أشرت في البداية، فالتعليم عن بعد أصبح ضرورة في بعض التخصصات وليست كلها، فكل الجامعات في العالم أدخلت هذا النوع من التعليم في جل مسالكها، إلا أن الفرق أنه في الدول المتقدمة كانت هناك مجموعة من المشاريع التجريبية (Les projets pilotes) في هذا المجال، وبمجرد تفشي هذه الجائحة، كانت البدائل موجودة، ولم يقوموا سوى بتسريع العملية وتعميمها، في حين أنه في المغرب وعلى حد علمي لم يسبق لأي جامعة أن قدمت دروسا متكاملة عن بعد. ولكن كما يقول المثل العربي ” رُبَّ ضارةٍ نافعة “، حيث حان الوقت للاستثمار في التعليم عن بعد والعمل على توفير كل الإمكانيات الضرورية لإنجاحه، من قبيل مساعدة عموم الطلبة في الحصول على حواسيب بأثمنة جد مناسبة وكذا تيسير اشتراكهم في الإنترنت، أما بالنسبة لأساتذة الجامعة فيجب تقديم تكوين مستمر في هذا الإطار حتى تكون هناك جودة في المنتوج، ونستطيع بهذه العملية أن نساهم في الرقي بمستوى التعليم الجامعي.

حمل تطبيق فبراير

ولا تنسى تفعيل الإشعارات للتوصل بآخر المستجدات

Google Play App Store