وكأنك أمام طبيب نفساني، وجه سموح تسبقه ابتسامة وديعة واستعداد مسبق لإعلان حسن النوايا، وطباع هادئة تجعله أحد أبرز الكفاءات المهنية المحبوبة في القناة الثانية.
هو ذا كبير المراسلين في القناة الثانية عبد الفتاح مومن الذي برز في الميدان وهو ينقل لنا بالصوت والصورة محنة ضحايا زلزال الحوز وتحول من صحافي إلى همزة وصل أحيانا بين المحسنين وضحايا الزلزال لتأمين ما ينقص المنكوبين وأي المواد أكثر حاجة إليها بالمقارنة مع أخرى. في حواره مع « فبراير »، يعلمنا الدروس التي تعلمها من زلزال الحوز.
يقول بالحرف: » تعلمت الكثير من تجربة الزلزال.. اكتشفت أنني صلب أكثر مما كنت أتوقعه.. لم أكن أتصور يوما ما أنني سأنام في سيارتي بالقرب من ركام منازل هدمها الزلزال، وأتحسس الأرض وهي تهتز عند كل مرة لمدة تربو عن العشرة أيام.. كيف لا أكون صلبا وأنا ألتقي في الميدان يوميا ضحايا زلزال فقدوا أولادهم ومنهم من فقد 11 فردا من أفراد أسرته، وإذا به يترجل لمساعدة الجيران وباقي الضحايا، وإذا به متفائل ومؤمن بقضاء الله وقدره… لقد تعلمت من ضحايا الزلزال الشيء الكثير، لكنني تعلمت منهم أكثر الصلابة والقوة والصبر »
ويضيف الصحافي الألمعي عبد الفتاح مومن كيف أبهرته قيم المغربي من جبال الأطلس: » إنهم ينتقلون للعمل في الدار البيضاء، لكنهم يحتفظون بتلك الخصال النادرة لابن البادية.. يعود ومعه الأصل، لا يشتكي، لا يتأفف، يساعد، يحتضن الآخرين ويحتضن همومهم ويقبل يد الشيخ بكل احترام وينحني لمن هم أكبر منه سنا، هذا ما رأيته من أبناء المنطقة الذين عادوا من الدار البيضاء لمساعدة ضحايا الزلزال.. »
سألناه، لماذا اضطررت لحلاقة شعر لحيتك وأنت تستعين بموس حلاقة وبمرآة سيارتك خلال فترة تغطية زلزال الحوز؟ قال لنا بالحرف ومرة أخرى برزت ملامح الصحافي المهووس بهموم الناس: « لو لم تكن تلك الشعيرات مزعجة لما حلقتها.. أنا أعي أن الصحافي جزء من الفضاء، لهذا كنت أظهر على طبيعتي وفي الجو الذي أشتغل فيه وخلفي الركام وأنا بين الناس.. ربما يعرفني ممتبعوا القناة الثانية، لكن ربما تعرفوا علي أكثر خلال تغطية زلزال الحوز، أنا لم أكذب عليهم.. تحدثت لغتهم، بكوا فبكيت وتأثرت لمصابهم.. لم يكن مطلوبا مني الشيء الكثير، فقط أن أشعر بهم وأنقل ذلك للمشاهد..
كان يكفي لينجح كل صحافي في عين المكان، أن يتسلح بقواعد الصحافة والذكاء الاجتماعي وحسن التواصل معهم والتواضع الفكري، وأقصد هنا أن تثق في أفكارهم وتنصت إليهم، وأن تلعب دورك المهني في تنوير الرأي العام.. شخصيا شعرت بهم وبدورهم أحسوا بقربي منهم.. « حسوا اننا معاهم واننا مكنكدبوش عليهم » كان يقول لي أحدهم قبل البث بلحظات « متنساهم البوطات والخيم » اعتبرونا في لحظة من اللحظات وكأننا ناطقين رسميين.. وكأننا لعبنا دور صلة وصل بين المتبرعين والمكنوبين.. ولهذا سمعنا عبارات من قبيل حذاري سيفسد الطعام. كفى من الحليب.. صافي هذي باركا منها.. نحتاج الآن أغطية »
وكان لابد أن نسأله عن قصة الحشرجة التي فضحت بكاؤه وتأثره الإنساني على المباشر حينما سألته مقدمة الأخبار سناء رحيمي عن استئناف الدراسة، وهو مقطع الفيديو الذي تداوله المغاربة بتأثر كبير، لأنه خنق دموعه وهو يقول لها بالحرف أن الدراسة لن تستأنف في شيشاوة لسبب مفجع مفاده أن أغلب التلاميذ والأساتذة ماتوا في الزلزال !
قال ردا عن هذا السؤال: » لم أعرف أن الفيديو تدوول إلى هذه الدرجة، إلا بعد أن فتحت الفايسبوك.. كانت قبلها لحظة تأثرت فيها وأنا أصف مشهد حقيبة لمحتها عيني تحت الأنقاض، وقلت حينها وأنا أمسح بعيني الحقيبة الممزقة.. لن تذهب يا بني إلى المدرسة، فكل ما تبقى منها هو الحطام وبقايا حقيبة، حتى أستاذك هو الآن إلى جانبك تحت الأنقاض.. وبعد هذه اللحظات انضافت لحظة المباشر وسؤال الزميلة سناء.. أعتقد أن الخلاصة التي يمكن أن نخرج بها أن كل ما يطلبه المشاهد هو أن نتحدث معه بصراحة، والدليل الدور الذي لعبه المغاربة على مواقع التواصل الإجتماعي… يمكن القول « دارو عقلهم بزاف في الزلزال ».. هذه فرصة لنا كصحافة وكمغاربة من أجل خلق مصالحة جديدة مع المواطن، لأنه يستشعر عن بعد « النفاق الصحافي » ويشعر بنا حينما نصارحه.. لا أخفيكم، حينما كنت أستعد للنوم في سيارتي، كان سكان الدوار في الخيم يطرقون باب نافذة سيارتي بأدب ويسألونني إن كان لدي ما يكفي من الغطاء كي لا أشعر بالبرد، كانوا يسألوننني وأعضاء فريق القناة الثانية، هل تناولنا فطورنا؟ هل أكلنا بما يكفي؟ هل نشعر بالجوع؟ ويتصلون بنا حينما يكون لدينا تصوير في مكان أبعد عن نقطتهم من أجل العودة إلى حيث هم لنتناول وجبة الكسكس معهم يوم الجمعة..وقبل أن نعود إلى الدار البيضاء لاستئناف العمل من مقر القناة، باتوا يعرفون عادات كل واحد منا.. يقول أحدهم هذا يشرب الشاي بالنعناع وهذا من دونه.. »
ولأن زميلنا تعلم ويعلمنا العديد من دروس زلزال الحوز، فقد ذكرنا بدروس أخرى: « كيف لنا أن نقارن بين حجم الحزن الذي يعتري الناس في المدينة لسبب بسيط، وإذا بهم ينهارون تماما، وبين مأساة من فقد الزوجة والأولاد، وإذا به يكون أول من يستيقظ صباحا للقيام بالواجب ولتحضير وجبات الأكل لجيرانه مثلا.. »
أبهرني النظام في المخيم الجماعي، اشتغلوا على نظام الطبخ بالمداومة، ووزعوا المهام على مجموعات، لتوزيع الطعام ثم لوضع الخيام، وكانت الكلمة الأخيرة دائما لكبار السن.
« من الأزمة خلقو نظام » إنها العبارة التي أبدع الصحافي الألمعي عبد الفتاح مومو ليصف من خلالها ما شاهده وما تعلمه من دروس في جبال الحوز، فطوبى للقناة الثانية به.