في حوار خاص مع موقع “فبراير”، فتح الصحفي والكاتب المغربي الشهير عبد الصمد بنشريف قلبه وروح كلماته ليرسم أجمل لوحة عن علاقته الخاصة بوالدته الراحلة.
بنبرة مفعمة بالحنين والامتنان، استعاد بنشريف ذكريات لا تُنسى مع تلك المرأة التي أضاءت دربه وصنعت منه الرجل الذي هو عليه اليوم.
ووصف بنشريف والدته بأنها امرأة نادرة الصفات، تجمع بين البساطة والعفوية من جهة، والعقلانية والصبر من جهة أخرى. كانت طيبة القلب بامتياز، لا تحتمل رؤية أحد يُظلم أو يتعرض للجور، دائمة الدفاع عن الفقراء والمظلومين. وفي الوقت نفسه، كانت تتمتع بفطنة اقتصادية لا مثيل لها في تدبير شؤون الأسرة بحكمة، حتى لجأت في بعض الأحيان لبيع متعلقاتها الشخصية لتوفير متطلبات تعليم أبنائها.
ولعل أصعب المراحل التي عايشها بنشريف مع والدته كانت خلال معاناتها الطويلة من مرض السرطان لنحو 10 سنوات منذ العام 2002. يصف تلك الفترة بأنها “لحظات صعبة للغاية” عايشها جنبًا إلى جنب مع والدته المريضة. وبينما كان يُتاح له فرصة الهجرة للعمل في قنوات إعلامية دولية، فضّل الصحفي المخضرم البقاء إلى جانب أمه في تلك اللحظات العصيبة، مؤكدًا أن حلمه آنذاك كان بناء نموذج إعلامي متطور في المغرب يعتبر مرجعًا في المنطقة والعالم العربي.
وفي وصف مؤثر لتلك المرحلة القاسية، يروي بنشريف كيف كانت والدته تخفي عنه حقيقة مرضها الخطير حتى آخر لحظة، خشية أن يتأثر ويتألم. فقد تواطأت مع الأطباء والأهل على إخباره بأن المشكلة بسيطة في الدم فحسب، حتى غادرت الحياة بهدوء وعزة نفس.
ومن أشد ما قاله بنشريف عن التأثير العميق الذي تركته والدته في روحه، قصة اختيار اسمه “عبد الصمد” تيمنًا باسم المقرئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد. فقد روى كيف أن والدته حلمت قبل ولادته بولي صالح يرتدي ثوبًا أبيضا ويحمل قلمًا أبيض، فأمرها بمنح ذلك القلم لطفلها القادم وسموه “عبد الصمد”، وهو ما حدث بالفعل. يضيف بنشريف أنه منذ صغره كان ميالًا للقراءة والقرآن الكريم.
لا تقل أهمية عن ذلك، الدرس الأكبر الذي تعلمه بنشريف من والدته هو قيمة المبادئ والأخلاق الحميدة. فقد ربته على حب الخير والتماسك، ونبذ الظلم والرشوة ومساعدة الآخرين. يتذكر بنشريف كلمات والدته المؤثرة التي كانت تردد عليه دومًا: “لا تنسَ رائحة القمح الذي زرعناه، وابقَ على المبادئ، ولا تتخذ الرشوة أبدًا”.
وفي ختام حواره المؤثر، شارك بنشريف تفاصيل اللقاء الأخير مع والدته قبل رحيلها في شهر رمضان، حيث حضر جميع أبنائها وبناتها لتودعهم بهدوء ووداعة، راضية عن حياتها التي قضتها بجوارهم. وكانت آخر كلماتها لابنها عبد الصمد “الله يحفظ بحبح” في إشارة لأحفادها الصغار.
بهذه الروح الوفية والقلب الحنون، خلّد الكاتب المغربي ذكرى والدته التي وهبته أسمى معاني الحب والوفاء. وكما أراد لها أن تظل حاضرة في أحلامه وحياته، ستظل دومًا راسخة في كلماته وسطوره كزادٍ من الوفاء للأم الغالية.