في حوار خص به موقع فبراير.كوم، أكد محمد الناجي، الخبير في الصيد البحري، أن المغرب يتمتع بموقع استراتيجي يمنحه إمكانيات بحرية هائلة، حيث يقع ضمن نطاق التيار البحري لجزر الكناري، أحد أغنى المناطق السمكية في العالم. وأوضح أن هذا الامتياز الطبيعي يجعل من المغرب قوة بحرية قادرة على تحقيق اكتفاء ذاتي وتعزيز صادراته السمكية، لكنه في المقابل يطرح تحديات تتعلق بضرورة اعتماد حكامة رشيدة تضمن استدامة هذه الثروة، التي رغم قابليتها للتجدد، تظل معرضة للاستنزاف بفعل الضغوط البيئية والممارسات غير المسؤولة.
وشدد الناجي على أن القطاع يواجه متغيرات بيئية تؤثر بشكل متزايد على توزيع الموارد السمكية، حيث بات ارتفاع درجات حرارة المياه عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل خارطة الثروة البحرية. ووفقًا له، فإن بعض الأنواع، مثل السردين، تراجعت أعدادها في مناطق معينة بسبب تغير درجات الحرارة التي لم تعد تلائم تكاثرها، بينما شهدت أنواع أخرى، مثل سمك النشوب والأسقمري (الماكرو)، وفرة غير مسبوقة. هذه التحولات تفرض على المهنيين إعادة النظر في استثماراتهم من حيث مواقع الصيد، والتجهيزات، واستراتيجيات التسويق، لمواكبة هذا الواقع البيئي المتغير.
وأبرز الناجي أن قطاع الصيد البحري يشكل رافعة اقتصادية حيوية للمغرب، حيث يساهم بما بين 2.5% و3% من الناتج الداخلي الخام، ويوفر أكثر من 400 ألف فرصة شغل مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى دوره المحوري في تحقيق الأمن الغذائي وضبط الميزان التجاري الوطني. ورغم أهمية هذه الأرقام، فإن الخبير يرى أن استدامة هذا القطاع تتطلب تعزيز آليات الحكامة، من خلال تفعيل المراقبة الصارمة والقطع مع الممارسات التي تهدد الثروة السمكية، خاصة في بعض المصايد الشمالية التي بدأت تعاني من تراجع ملحوظ في مخزونها.
وأشار إلى أن المغرب أطلق استراتيجية “أليوتيس” بين 2010 و2020، والتي استندت إلى ثلاثة محاور رئيسية: الاستدامة، التنافسية، والنجاعة، ورغم تحقيق بعض الأهداف، إلا أن العديد من التحديات لا تزال قائمة، خاصة على مستوى ضبط القطاع وتعزيز تربية الأحياء المائية. كما أن النسخة الجديدة من الاستراتيجية، الممتدة بين 2020 و2030، لم تُعمم بعد، ما يجعل الرؤية غير واضحة بشأن الميكانيزمات التي سيتم اعتمادها لمواجهة الاختلالات الحالية.
وأوضح الناجي أن أكبر إشكال يواجه القطاع هو ضعف الحكامة، ما يؤدي إلى انتشار ممارسات غير قانونية تهدد استدامة الموارد البحرية. وأبرز أن غياب الرقابة الصارمة يسمح بوجود صيد غير منظم، ما يجعل بعض المصايد تعيش وضعًا صعبًا رغم ارتفاع أرقام الصادرات. واعتبر أن هذا الوضع يطرح مفارقة كبيرة، حيث يتم تصدير كميات هائلة من الأسماك، في حين أن المخزون البحري يشهد استنزافًا متسارعًا، ما يستوجب تدخلًا حازمًا من الدولة.
وأضاف أن الحلول تبدأ من تعزيز المراقبة وتنفيذ القوانين بصرامة، إلى جانب تطوير البحث العلمي في المجال البحري، لفهم انعكاسات التغيرات البيئية على الثروة السمكية. وشدد على أن نجاح أي سياسة للصيد البحري لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التزام صارم بالضوابط البيئية، ومشاركة جميع الفاعلين، من مهنيين وإدارة وصية وباحثين، لضمان توازن بين الاستغلال الاقتصادي والحفاظ على الموارد البحرية للأجيال القادمة.
واختتم محمد الناجي حديثه بالتأكيد على أن الصيد البحري ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو مورد استراتيجي يتطلب تدبيرًا مسؤولًا، محذرًا من أن استمرار بعض الممارسات غير القانونية دون مراقبة قد يؤدي إلى انهيار المخزون السمكي، ما يستدعي وعيًا جماعيًا بأهمية حماية هذه الثروة الوطنية.