حين يصبح الوطن غربة والغربة وطنا.. قصة لـ”فبراير” على لسان مهاجرة
تشرق شمس الصباح على مدينة الدار البيضاء، بينما تقف زهراء في مطار محمد الخامس، بمعية أبنائها وحقائبها بجانبها وعينان تتطلعان نحو المجهول. لم تكن تعلم أن عودتها إلى المغرب بعد سنوات طويلة في السعودية ستكون مجرد محطة عابرة في رحلة أطول نحو البحث عن الانتماء.
“الوطن ليس مجرد مكان تولد فيه، بل المكان الذي تشعر فيه بأنك تنتمي”، تهمس زهراء لنفسها وهي تتذكر تلك الليالي الطويلة التي قضتها تفكر في مستقبل أطفالها. فبعد سنوات الاغتراب في المملكة العربية السعودية، عادت إلى المغرب آملة أن تجد الدفء المفقود، لكن الوطن الذي تركته لم يعد كما تتذكره.
عندما يصبح الوطن الأم أجنبيا
اشتاقت زهراء لأهلها وناسها بمدينة كلميم، تبحث عن ذلك الشعور بالانتماء الذي طالما حنت إليه. لكن الأمور تغيرت، والناس تغيروا، حتى هي تغيرت، الإقامة المؤقتة التي حصلت عليها لم تكن سوى ورقة باردة في يدها، لا تحمل معها دفء الوطن المنشود، لكن الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن، قائلة وهي تروي لنا قصتها: “لم أستطع التأقلم مع الوضع في المغرب”، تقول بصوت يحمل نبرات الحنين والأسى معا، “كنت أبحث في كل زاوية، في كل شارع، في كل وجه، عن ذلك الشعور بالبيت، لكن الغربة كانت تطاردني حتى في أرض الآباء والأجداد.”
البيروقراطية تلاحقها، والتحديات اليومية تحاصرها من كل جانب. أصبحت تشعر وكأنها سائحة في بلدها، غريبة بين أهلها. وهنا، في لحظة من لحظات اليأس الممزوج بالأمل، اتخذت قراراً آخر سيغير مجرى حياتها وحياة أطفالها: التقدم بطلب للحصول على تأشيرة إلى فرنسا.

باريس… حلم بعيد أم ملاذ أخير؟
في مكاتب القنصلية الفرنسية، وبعد أن اتخذت قرارا آخر، بعيدا عن أهلها، تقف زهراء في طابور طويل من الحالمين والباحثين عن فرص جديدة. أوراق كثيرة، وأسئلة أكثر، ونظرات متفحصة تحاول أن تقرأ في عينيها قصة حياتها. وأخيرا، تحصل على التأشيرة، تلك الورقة الصغيرة التي تحمل معها أملاً كبيراً. ربما يكون منعطف حياتها، فبعد سنوات الغربة بالمملكة العربية السعودية، وأشهر بوطنها الأم، الوجهة هذه المرة فرنسا. الطائرة تقلع من مطار الدار البيضاء متجهة نحو شارل ديغول، من نافذة الطائرة، تنظر زهراء إلى المغرب وهو يصغر تدريجيا تحتها، دمعة صغيرة تنزلق على خدها، لا تعرف إن كانت دمعة وداع أم دمعة ولادة جديدة.
لقاء الإنسانية في أرض الغرباء
في مطار شارل ديغول، وبعد ساعات من السفر بمعية إبنيها، تستقبلها من أصول مغربية كريمة، وجهها يحمل ابتسامة دافئة تذكرها بابتسامات الأمهات في كل مكان. “عندما جئت إليّ، لن أتركك تذهبين إلى أي مكان، سأساعدك وأقدم لك ما أستطيع”، تقول السيدة بلغة فرنسية مكسورة ممزوجة بالعربية.
خمسة عشر يوماً من الضيافة الكريمة، خمسة عشر يوماً من الأمان المؤقت. لكن الضيافة لها حدود، والكرم له نهايات. “أعذريني، لا أستطيع أن أستضيف أطفالك، إن أطفالي لا يقبلون ذلك”، تقول المضيفة الكريمة بنبرة اعتذار صادق.
وهكذا تجد زهراء نفسها في شوارع باريس الواسعة، لا تعرف أين تتجه، لا تعرف أين المستشفيات، لا تعرف أين المدارس، لا تعرف حتى كيف تطلب المساعدة. الغربة الحقيقية ليست في اللغة أو الثقافة فقط، بل في ذلك الشعور بالضياع وسط ملايين البشر.
مراكز الإيواء: محطة في رحلة البقاء
بنصيحة من أصدقاء تعرفت عليهم في رحلتها، تتجه زهراء إلى أحد مراكز الإيواء الاجتماعي، تلك الأماكن التي تستقبل المنكوبين والمحتاجين وضحايا العنف والباحثين عن الأمان، في مكان بعيد نوعا ما عن صخب المدينة، تجد لها ولأطفالها مأوى مؤقتاً.
شهران ونصف من الأوراق والإجراءات، شهران ونصف من الانتظار والأمل، في هذا المركز، تتعلم زهراء أولى دروس الحياة في فرنسا: الصبر، والمثابرة، والقدرة على التعامل مع البيروقراطية الفرنسية المعقدة.
لكن المراكز الاجتماعية ليست فنادق، والإقامة فيها محدودة المدة، يأتي الإشعار بالمغادرة، وتجد زهراء نفسها مرة أخرى تبحث عن مأوى، هذه المرة، تجد نفسها تتشارك السكن مع عائلة أفريقية، غرفة واحدة لها ولابنتها، تتشاركان فيها كل شيء تقريباً.
تجربة العيش على الهامش
في تلك الغرفة الصغيرة، تعيش زهراء واحدة من أصعب تجارب حياتها. العائلة المضيفة تعيش هي الأخرى ظروفاً قاسية، لا يأكلون في أوقات منتظمة، وأحيانا لا يجدون ما يكفي من الطعام. ليس الأمر متعلقا بالعنصرية أو التفرقة، بل بصعوبة الحياة وقسوة الظروف التي تدفع الناس للعيش في هوامش المجتمعات.
في هذه الأثناء، تبدأ فصول حياة جديدة بدخول أطفالها المدرسة. وهنا تتجلى إحدى أجمل مزايا النظام الفرنسي: حق التعليم والرعاية الصحية المجانية لجميع الأطفال، بغض النظر عن وضعيتهم القانونية. الدستور الفرنسي يكفل هذه الحقوق، والمجتمع الفرنسي يطبقها بحرفية.
التعليم بوابة الخلاص
مع استقرار أطفالها في المدرسة، تبدأ زهراء هي أيضاً رحلة جديدة نحو التعلم. دورات تدريبية متنوعة، دروس في اللغة الفرنسية، برامج للاندماج المهني. تتعلم أن الاندماج ليس مجرد إتقان اللغة، بل فهم عقلية المجتمع وطريقة تفكيره وأسلوب حياته.
الحصول على الأوراق الرسمية يصبح هاجساً يومياً، إجراءات معقدة، وقوانين صارمة، خاصة فيما يتعلق بموافقة الأب على بعض الأمور. فرنسا، مثلها مثل المغرب، لديها قوانين صارمة تتعلق بالأطفال وحقوق الوالدين، خاصة عندما يتعلق الأمر بجوازات السفر والوثائق الرسمية.
من الأمور المثيرة للاهتمام في النظام الفرنسي أن الشخص يمكن أن يحصل على جواز سفر دون بطاقة هوية، أو العكس، مما يعني أن كل وثيقة لها إجراءاتها ومتطلباتها الخاصة.
الاستقرار المنشود
بعد سنوات من النضال الصامت، من التنقل من مكان لآخر، من البحث الدائم عن الاستقرار، تبدأ ثمار الصبر في الظهور. زهراء تكمل دراستها، تحصل على عمل، تستطيع أخيراً أن تقف على قدميها. وأهم من ذلك كله، تحصل على منزل مستقل لها ولأطفالها.
اليوم، بعد سنوات من الكفاح، تعيش زهراء حياة مستقرة. أطفالها كبروا، إحداهن في المرحلة الثانوية، والأخرى في المتوسطة، والصغرى في الابتدائية، لديها سيارة ومنزل واسع، ليس قصراً كما تقول مبتسمة، لكنه بيتها الذي طال انتظاره.

حب الوطن لا يموت
رغم الاستقرار في فرنسا، رغم الحياة الكريمة التي بنتها بعرق جبينها، يبقى المغرب حاضراً في قلب زهراء وفي تربيتها لأطفالها. تعلمهم حب الوطن، تحدثهم عن تاريخه وثقافته، تطبخ لهم الأكلات المغربية، وتحافظ على التقاليد والعادات.
“مهما أعطتنا أي بلد آخر، ومهما حصل، لا يمكننا أن ننسى أصولنا”، تقول زهراء وهي تنظر إلى أطفالها يتحدثون بالفرنسية فيما بينهم، لكنهم يجيبونها بالعربية الدارجة المغربية عندما تناديهم.
الشوق للوطن يبقى حاضراً، الحنين لا يموت، والذكريات تبقى عطرة مهما طال الزمن. والحمد لله، اليوم تستطيع زهراء أن تسافر وتزور المغرب متى شاءت، تحمل في قلبها حب وطنين: المغرب الذي ولدت فيه، وفرنسا التي احتضنتها وأطفالها.
درس في الإنسانية
قصة زهراء هي قصة آلاف النساء والرجال الذين يبحثون عن حياة كريمة لهم ولأطفالهم. إنها قصة تحكي عن قوة الإرادة الإنسانية، عن القدرة على البدء من جديد، عن الصبر والمثابرة في وجه التحديات.
في عالم يتحدث عن العنصرية والتفرقة، تأتي قصة زهراء لتذكرنا بأن الإنسانية لا تعرف الحدود. السيدة الفرنسية التي استضافتها، الأصدقاء الذين ساعدوها، النظام التعليمي الذي احتضن أطفالها، كلها رسائل أمل في عالم يحتاج إلى المزيد من التفاهم والتضامن.
زهراء اليوم سفيرة لبلدها في أرض الغربة، تمثل المغرب بأخلاقها وتربيتها وطموحها. وفي نفس الوقت، هي مواطنة فرنسية تساهم في بناء المجتمع الذي احتضنها. هكذا تصبح الهجرة جسراً للتبادل الثقافي، وليس مجرد انتقال من مكان لآخر.