“كان يعتبرني كابنه”.. أحوجيل يتحدث عن علاقته بالمحجوبي أحرضان والحركة الشعبية
في زاوية من زوايا إيموزار كنظر بــإقليم صفرو، حيث تمتد الحقول وتتعانق التلال مع السماء، ولد طفل لم يكن يعلم أن قدره سيحمله من أحضان القرية إلى قلب المعترك السياسي المغربي. هناك، حيث كان والده يشق الأرض بيديه طالباً الرزق، وحيث كانت رائحة التراب تمتزج بعرق الكفاح، بدأت قصة ناصر أحوجيل، الرجل الذي يروي اليوم، وهو في السابعة والسبعين من عمره، فصولاً من مسيرة حياة لم تخلُ من الدراما والمفارقات.
كان القدر قد أعد لهذه العائلة منعطفاً حاسماً حين قرر الوالد، الذي شارك في الحرب العالمية الثانية، الالتحاق بصفوف القوات المساعدة في عين الشقاك قرب فاس. وهكذا، انتقل الصبي الصغير من عالم القرية الناطق بالأمازيغية إلى مدرسة تتحدث لغة لا يفقه منها حرفاً.
يتذكر أحوجيل تلك الأيام بمرارة ممزوجة بالحنين: “دخلت القسم التحضيري ولم أكن أعرف أن أتكلم العربية نهائياً، قضيت أياماً لا أفهم شيئاً”. كان الإحباط كفيلاً بأن يطوي صفحة التعليم إلى الأبد، فعاد إلى قريته وحيداً، ليجد في حضن جدته الدفء، وفي المسيد القروي بصيص أمل.
في ذلك المسيد، التقى الصبي بفقيه وصفه بكلمات مفعمة بالامتنان: “تبارك الله عليه”. كان ذلك الفقيه بمثابة المنقذ الذي فتح له أبواب اللغة العربية، فعاد أحوجيل إلى عين الشقاق بسلاح جديد هو المعرفة. هذه المرة، لم يكن الصبي ذاته، بل كان مصمماً على أن يكمل المشوار. أنهى الابتدائية، ثم الثانوية في ثانوية مولاي إدريس بفاس، وحصل على البكالوريا، ليلتحق بكلية الحقوق. كانت تلك الرحلة من الجهل إلى المعرفة، من القرية إلى المدينة، بمثابة تمهيد لمعركة أكبر ستخوضها هذه الشخصية في ميدان السياسة.
لم يكن طريق أحوجيل المهني أقل تشعباً من طريق تعليمه. بدأ معلماً في عام 1972، ثم انتقل في منعطف حاسم إلى العمل السياسي حين أصبح رئيساً لديوان الوزير الراحل محمد ناصر في عام 1977. لكن الرجل الذي تعلم في المسيد أن يتمسك بمبادئه، لم يستطع أن يساوم عليها، فاستقال في عام 1981 “لأسباب ذاتية وموضوعية وسياسية”، كما يقول بنبرة توحي بأن وراء هذه الكلمات قصصاً لم تُروَ بعد. عاد إلى عالم التعليم كاتباً عاماً في المدرسة العليا للأساتذة بالرباط، قبل أن يودع هذا العالم نهائياً بالمغادرة الطوعية.
أما الفصل السياسي من حياة أحوجيل، فكان أشبه برواية متشعبة الأحداث. في عام 1970، وبفضل علاقة والده بالمحجوبي أحرضان، الذي جمعتهما خنادق الحرب العالمية الثانية، التحق بالحركة الشعبية. يتحدث أحوجيل عن أحرضان بعاطفة الابن تجاه أبيه: “كان يعتبرني كابنه، الله يواليه برحمة”. تولى رئاسة الشبيبة الشعبية، وأصبح عضواً في المجلس الوطني، بل وحضر اجتماعات المكتب السياسي. لكن الأجواء لم تعجبه، فغادر ليصبح “لا منتمياً”، كما يصف نفسه بنوع من الفخر الممزوج بالأسى.
لم يكن الرجل ممن يستسلمون بسهولة، فحاول تأسيس حزب سياسي أسماه “الحزب الاجتماعي الديمقراطي”، حصل على الوصولات والإشهادات اللازمة، لكن وزارة الداخلية أغلقت الباب في وجهه قائلة: “لا حزب ولا هم يحزنون”. يروي أحوجيل هذه اللحظة بنبرة من يعرف أن المصلحة الوطنية أكبر من الطموحات الشخصية: “أنا دائماً مسالم، قلت الحاجة اللي فيها المصلحة ديال البلاد ديالي هي الأولى”. عاد مرة أخرى ليكون “لا منتمياً”، حتى جاءت الفرصة للانضمام إلى الحزب الوطني الديمقراطي، حيث وصل إلى منصب قيادي كعضو في المكتب السياسي ومفتش عام حتى عام 2008 أو 2009.
لكن التجربة الأكثر إثارة في مسيرة أحوجيل كانت في الانتخابات المحلية. في عام 1976، وبناءً على طلب أهالي قبيلته الذين عرفوا فيه الرجل الجمعوي الذي كان يحارب الأمية في دواره، ترشح للانتخابات دون أن تكون لديه أي فكرة مسبقة عن هذا العالم. يقول بدهشة من لا يزال يتذكر المفاجأة: “فإذا بقدر الله أنني أصبح رئيس جماعة”. استمر في هذا المنصب لولايتين متتاليتين من 1976 إلى 1992، لكن السنوات الأخيرة من ولايته الثانية شهدت معركة من نوع آخر.
في عام 1992، تعرض أحوجيل لحملة إقصاء شرسة من قبل مسؤولين محليين في وزارة الداخلية. يروي تفاصيل تلك المعركة بمرارة، مستشهداً بآية قرآنية كأنه يوجه رسالة عبر الزمن: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”. يكشف أن أحد المسؤولين، الذي أصبح صديقاً له لاحقاً وهو السي محمد أمغوز، اعترف له بأنهم أخطأوا في حقه. حاولوا إقصاءه في عقر داره، في دواره، لكنهم فشلوا. يتذكر أحوجيل كيف وجد القائد يوم الاقتراع بجانب مكتب التصويت، يقول للناس بالكسوة: “لا تصوتوا على هذا”. تشادّ معه أحوجيل، ورغم كل المحاولات، نجح في الانتخابات.
لكن النصر كان منقوصاً، فقد خططوا لحرمانه من الرئاسة. في تلك الليلة، وبينما كان أحوجيل منشغلاً بقضية أخرى، أخذوا الأعضاء الذين رشحهم بنفسه، وفي ظلام الليل، أخذوهم وانتخبوا رئيساً آخر. يروي هذا الفصل بنبرة من لا يزال يشعر بوخز الخيانة، لكنه يضيف بثقة: “لكن عدت بقوة في عام 1997”.
اليوم، وهو في السابعة والسبعين من عمره، يقف ناصر أحوجيل شاهداً على حقبة كاملة من التحولات السياسية في المغرب. من طفل لا يعرف العربية إلى رئيس جماعة وعضو في المكاتب السياسية، من قرية بسيطة إلى دهاليز السياسة المعقدة، حمل هذا الرجل على كتفيه تجارب ودروساً ينصح بها اليوم رجال السلطة: “لا تتسرعوا في إطلاق الأحكام على الناس، خذوا الوقت الكافي لتعرفوهم وتقيموهم على قيمتهم الحقيقية”. إنها نصيحة من رجل عاش الظلم وعاش النصر، وفهم أن الحقيقة لا تُدرك بالتسرع، بل بالتبيّن والتثبت، تماماً كما علمته الآية الكريمة التي ظلت نبراساً في مسيرته.